فهرس الكتاب
وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما ينسبونه إليهم من المدارس والأربطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ويخص به قوما دون قوم ، فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء ثم يبني لهم منه ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان ذلك جائزا ، ولو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء محتاجا إليه في حال ، فيجوز البناء فيه من بيت المال ؛ لكنه ينسبه إلى نفسه ، فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا ؟ وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة .
وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال ، ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه ، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقا .
وروي عنه أنه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم .
واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفا على إجازة مالكه ، فإن أجاز تصرفه فيه جاز ، وقد حكى بعض
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 395)
أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة .
وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه ، وهو خلاف نص أحمد .
وحكى عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازها المالك أجزأت عنه .
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته ، فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم .