فهرس الكتاب
قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة ، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد ، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها ، وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة ، فنسخ سبحانه ذلك بثلاث ، وقصر الزوج عليها ، وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها ، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه ، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة ، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث ، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده ، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها ، كان خلاف شرعه وحكمته ، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة ، بل إنما ملك واحدة ، فالزائد عليها غير مأذون له فيه .
قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه ، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف ما شرعه .
ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين:
(أحدهما) : طلاق غير المدخول بها .
(والثاني) : الطلقة الثالثة ، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة . هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره ، وهذا قول الجمهور ، منهم: الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر .
قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع ، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها- وساقها رحمه الله-
(الجزء رقم: 1، الصفحة رقم: 325)
هل هي ثلاث ، أو خلع بدون عوض ، أو واحدة بائنة ؟ [زاد المعاد] (4/100) وما بعدها . .
وقد أجاب ابن حزم رحمه الله في كتابه [المحلى] عن ذلك بقوله انظر [المحلى] لابن حزم (10/167 ، 168) .: أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط ، ثم نسألهم عمن طلق مرة ، ثم راجع ، ثم مرة ، ثم راجع ثانية ، ثم ثالثة ، أببدعة أتى ؟ فمن قولهم: لا ، بل بسنة ، فنسألهم: أتحكمون له بما في الآيات المذكورات ؟ فمن قولهم: لا ، بلا خلاف .