وفي ذلك الوجهان المتقدمان ، وهذا القول الذي ذكرناه في المائعات كالماء هو الأظهر في الدلالة ، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجس الأشربة والأطعمة ؛ ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل ، كما جاء في الحديث ، ولم يأمر مالك بإراقته من الأطعمة والأشربة واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك ؛ وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم ، فإن في نجاستها من المشقة والحرج ما لا يخفى على الناس ، وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب ، فإذا لم ينجسوا الماء الكثير للحرج فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة والحرج في ذلك أشق ؟ !
(الجزء رقم: 6، الصفحة رقم: 204)
ولعل المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة .
( فإن قيل ) : الماء يدفع النجاسة عن غيره فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات .
( قيل ) : الجواب من وجوه:
( أحدها ) : أن الماء إنما دفعها عن غيره ؛ لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة ، وأما إذا سقطت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه ، لا لكونه أزالها عن نفسه ؛ ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة: إن المائعات كالماء في الإزالة ، وهي كالماء في التنجيس ، فإذا كانت كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زال معها أن يزيلها إذا كانت فيه .
ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل وتلك نجسة قبل طهارة المحل .
وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل هي طاهرة أو مطهرة أو نجسة .
وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال: الماء ينجس بوقوعها فيه وإن كان يزيلها عن غيره ، كما ذكرناه .