وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين ، وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات: الماء وغير الماء .
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية - تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال ، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة
(الجزء رقم: 6، الصفحة رقم: 206)
وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس ، ومن كان فقيها خبيرا بمأخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى تبين له ذلك ، ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك ، كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها ، والإبل التي يحج عليها ، والبقر التي يحرث عليها ، ونحو ذلك ؛ لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث .
كما ثبت في الصحيح صحيح البخاري الشركة (2352) ,صحيح مسلم اللقطة (1729) . عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة فنفدت أزوادهم ، فاستأذنوه في نحر ظهورهم ، فأذن لهم ، ثم أتى عمر رضي الله عنه فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقي الظهر ، ففعل ذلك .
فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب ، لا لأن الإبل محرمة ؛ فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن ، وعلف دواب الإنس والجن ، ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها ، بل لحرمتها ، فالقول في المائعات كالقول في الجامدات .
( الوجه الثالث ) : أن يقال: إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات ، فإذا كان الماء لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى .