ب- في عهد بني أمية كثر دخول الأعاجم في الإسلام ، واختلط بهم مسلمو العرب ، وكثر اللحن ، وخيف على كثير من المسلمين أن يلحنوا في قراءة القرآن ، فأمر الخليفة عبد الملك بن مروان بنقط المصحف وشكله؛ صيانة له من اللحن والتحريف في القراءة ، وتصدى لذلك الحجاج بن يوسف الثقفي ، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر فقاما بنقطه وشكله ، ولم يكن ذلك بدعا من القول ولا ابتداعا في الدين ؛ لبنائه على مقاصد الشريعة في حفظ القرآن وتيسير تعلمه وتعليمه وإبلاغه للناس ، هداية لهم وإقامة للحجة عليهم ، ثم ثبت إجماع الأمة على نقط المصحف وشكله ، واستمر العمل على ذلك إلى عصرنا فلم يعرف من أنكر ذلك مع طول العهد .
وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على أن جمع أبي بكر الصديق القرآن أولا وجمع عثمان بن عفان له ثانيا من محامدهما رضي الله عنهما .
ولا شك أن كتابة المصحف حسب القواعد الإملائية من جنس جمع القرآن أولا وثانيا ومن جنس نقطه وشكله ، من جهة البناء على مقاصد الشريعة والاعتماد على المصالح العامة ، إذ كل منها يرجع في حكمه إلى المصالح العامة التي شهدت لها أدلة الشريعة جملة وإن لم يدل عليها بخصوصها دليل معين . فكانت كتابته حسب القواعد الإملائية مشروعة .
إن القرآن لم ينزل مكتوبا ، وإنما نزل وحيا متلوا ، فأملاه النبي صلى الله عليه وسلم على كتبته وكان أميا ، فكتبوه بالرسم المعهود عندهم ، وكانوا ضعافا في صناعة
(الجزء رقم: 7، الصفحة رقم: 310)
الكتابة ، ولذا حصل بعض الاختلاف في رسم كتابتهم ، بل في رسم بعض الكلمات في مصاحف الأمصار المنتسخة من المصحف العثماني ، فيجوز أن يكتب أيضا بالرسم الإملائي .
وقد ذكر ذلك الاختلاف الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه [المقنع] ، وبين سبب هذا الاختلاف فقال: