( الثلاثون ) : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي أرسل معه بهديه إذا عطب شيء منه دون المحل أن ينحره ، ويصبغ نعله الذي قلده بدمه ، ويخلي بينه وبين الناس ، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته . قالوا: وسبب ذلك: أنه إذا جاز له أن يأكل أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعته نفسه إلى أن يقصر في علفها وحفظها مما يؤذيها ؛ لحصول غرضه بعطبها دون المحل ، كحصوله ببلوغها المحل من الأكل والإهداء ، فإذا أيس من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى إبلاغها المحل ، وأحسم لمادة هذا الفساد ، وهذا من ألطف سد الذراع .
والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط ، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه أو منصوص عليه أو مأثور عن الصدر الأول شاع عنهم ؛ إذ الفروع المختلف فيها يحتج لها بهذه الأصول - لا يحتج بها ولم يذكر الحيل التي يقصد بها الحرام كاحتيال اليهود ، ولا ما كان وسيلة إلى مفسدة ليست هي فعلا محرما ، وإن أفضت إليه كما فعل من استشهد للذرائع فإن هذا يوجب أن يدخل عامة المحرمات في الذرائع ، وهذا وإن كان صحيحا من وجه فليس هو المقصود هنا .
ثم هذه الأحكام في بعضها حكم أخر غير ما ذكرناه من الذرائع ، وإنما قصدنا: أن الذرائع مما اعتبرها الشارع إما مفردة أو مع غيرها ، فإذا كان الشيء الذي قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم ، إما بأن يقصد به المحرم ،
(الجزء رقم: 7، الصفحة رقم: 478)
أو بأن لا يقصد به - يحرمه الشارع بحسب الإمكان ، ما لم يعارض ذلك مصلحة توجب حله أو وجوبه فنفس التذرع إلى المحرمات بالاحتيال أولى أن يكون حراما وأولى بإبطال ما يمكن إبطاله منه إذا عرف قصد فاعله ، وأولى بأن لا يعان صاحبه عليه ، وهذا بين لمن تأمله . والله الهادي إلى سواء الصراط .
وقد اتبع ابن القيم شيخه ابن تيمية رحمهما الله في إثبات قاعدة سد الذرائع بأدلة الاستقراء من الكتاب والسنة فقال رحمه الله: