فصل: في سد الذرائع [إعلام الموقعين] ( 3/ 147- 153 ) .:
لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها . فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها . ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها ، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود . لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها ؛ تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له ، ومنعا أن يقرب حماه .
ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به . وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كله كل الإباء ، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك ، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع
(الجزء رقم: 7، الصفحة رقم: 479)
الموصلة إليه لعد متناقضا ، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده .
وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه ، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه . فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ؟
ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها ، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء .
ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ، ليزول الالتباس فيه ، فنقول: الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان:
أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها ؛ كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر ، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية ، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ، ونحو ذلك ، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها .