فهرس الكتاب
ونوقش: بأن الصواب من القولين في مخالفة الراوي لروايته أن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة راويه ، وهو غير معصوم ، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو أنه لا يحضره الحديث وقت الفتيا ، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيها أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا ، أو يقوم في علنه ما يعارضه ولا يكون معارضا له في الواقع ، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه ؛ لثقته به واعتقاد أنه إنما خالفه لدليل أقوى منه ، وعلى هذا الأصل بنى المالكية والشافعية والحنابلة فروعا كثيرة ، حيث قدموا العمل برواية الراوي على فتواه ، وأيضا كما نقل عن ابن عباس إمضاء الثلاث ، وروي عنه اعتبار الثلاث مجموعة طلقة واحدة ، وإذا تعارضت الروايتان عدل عنهما إلى الحديث .
لكن هذه المناقشة مردودة بأمرين:
الأول: أن رواية الراوي إنما تقدم على قوله إذا كانت صريحة أو طاهرة في معنى قال بخلافه ، وإلا قدم قوله ؛ لأنه يدل على أن الاحتمال الذي خالفه قوله غير مراد من الحديث ، وحديث ابن عباس هنا محتمل أن يكون
(الجزء رقم: 1، الصفحة رقم: 531)
في الطلاق ثلاثا بلفظ واحد ، وأن يكون مفرقا كما في الصورة التي في الجواب الخامس عن الحديث ، فدلت فتواه على إرادة صورة التفريق لا صورة الاجتماع .
الثاني: أن ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة معارض بما رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة: أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس ، ورواية إسماعيل مقدمة لموافقته الثقاة في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة .
وقد يقال في الأمر الأول: إن لفظ الطلاق الثلاث في الحديث ظاهر فيها مجموعة ، وإلا لم يقل عمر رضي الله عنه إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة . . . إلخ - اعتذارا منه في الحكم على خلاف ظاهره ، وبه اعتذار ابن عباس وغيره في إمضاء الثلاث .