فأصل القرعة في كتاب الله في قصة المقترعين على مريم والمقارعي يونس مجتمعة ، فلا تكون القرعة - والله أعلم - إلا بين قوم مستوين في الحجة ولا يعدو - والله تعالى أعلم - المقترعون على مريم أن يكونوا سواء في كفالتها فتنافسوها . ثم قال: فالقرعة تلزم أحدهما ما يدفع عن نفسه وتخلص له ما يرغب فيه لنفسه وتقطع ذلك عن غيره ممن هو مثل حاله ، ( قال ) : وهكذا معنى قرعة يونس لما وقفت بهم السفينة فقالوا: ما يمنعها من أن تجري إلا علة بها ، وما علتها إلا ذو ذنب فيها فتعالوا نقترع ، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام فأخرجوه منها وأقاموا فيها ، وهذا مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم ؛ لأن حال الركبان كانت مستوية وإن لم يكن في هذا حكم يلزم أحدهم في حالة شيئا لم يلزم قبل القرعة ، ويزيل عن آخر شيئا كان يلزمه ، فهو يثبت على بعض حقا ويبين في بعض أنه بريء منه ، كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم غرم وسقوط غرم ، ( قال الشافعي ) : وقرعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل موضع أقرع فيه في مثل معنى الذين اقترعوا على كفالة مريم سواء لا يخالفه ، وذلك أنه أقرع بين مماليك أعتقوا معا فجعل العتق تاما لثلثهم وأسقط عن ثلثيهم بالقرعة ، وذلك أن المعتق في مرضه أعتق ماله ومال غيره ، فجاز عتقه في ماله ولم يجز في مال غيره ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم العتق في ثلثه ولم يبعضه كما يجمع القسم بين أهل المواريث ولا يبعض عليهم ، وكذلك كان إقراعه لنسائه أن يقسم لكل واحدة منهن في الحضر ، فلما كان السفر كان منزلة يضيق فيها الخروج بكلهن ، فأقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وسقط حق غيرها في غيبته بها ، فإذا حضر عاد للقسم لغيرها ولم يحسب عليها أيام
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 50)