وما ذكره الباجي قال: يحتمل أن يريد بقوله: أن تدوا صاحبكم إعطاء الدية ؛ لأنه قد جرى في كلام الحارثيين أنهم طلبوا الدية دون القصاص ، ويحتمل أنهم لم يكونوا ادعوا حينئذ قتله عمدا ، ويحتمل أنهم لما لم يعينوا القاتل ، وإنما قالوا: إن بعض يهود قتله ، ولا يعرف من هو - لم يلزم في ذلك قصاص ، وإنما يلزم فيه الدية ، كالقتيل بين الصفين لا يعرف من قتله ، ولا يقول: دمي عند فلان ، ولا يشهد شاهد بمن قتله ، فإن ديته على الفرقة المنازعة له دون قسامة ؛ ولذلك لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بالقسامة في هذا المقام ، ولعل هذا كان يكون الحكم إن لم يقطع يهود بأنها لم تقتل ولم تنف ذلك عن أنفسها وتقول: لا علم لنا ، وإنما أظهر في المقام ما يجب من الحق إن لم يقع النفي للقتل الموجب للقسامة أن عليهم أن يؤدوا الدية ، فإن امتنعوا من الواجب عليهم في ذلك فلا بد من محاربتهم في ذلك حتى يؤدوا الحق ويلتزموا من ذلك حكم الإسلام [المنتقى شرح الموطأ] ( 8/ 53 ) . . اهـ .
ومنهم من طعن في هذا الحديث لما جاء فيه: وإما أن تؤذنوا بحرب قال الخطابي: وقد أنكر بعض الناس قوله: وإما أن تؤذنوا بحرب وقال: إن الأمة على خلاف هذا القول ، فدل على أن خبر القسامة غير معمول به .
وقد أجاب الخطابي عن هذا بقوله بعد ما ذكرت ( قلت: ووجه الكلام بين ، وتأويله صحيح ، وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 241)
فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنون بها إذا منعوا الجزية ) .