وقد جاء في آثار كثيرة الترغيب في سكنى الجبال والفرار من المدن وذلك لكثرة الفتن؛ وقد يتعارض هذا مع ما جاء من آثار في الترغيب بسكني المدن، ويجمع بينها في كون ذلك يختلف باختلاف الشخص ومقصده فمن خاف على نفسه من فتن المدن، وأحب أن يعتزلها وكانت شواغل المدن صارفة له عن حظه الأكبر كان الاعتزال خيرا له. ومن أراد القيام بدينه؛ وتتبعه للعلم ونشره فسكنى المدن أفضل له.
ومما ورد في فضل الاعتزال عند الفتن، فعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) [1] .
وعن فضل المخالطة والسكن ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [2] .
الصفة الخامسة: أنهم أكثر شجاعة من أهل المدن والقرى.
قال ابن خلدون: والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة و لا ينفر لهم صيد.
وأهل البدو لتفردهم عن التجمع وتوحشهم في الضواحي و بعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار و الأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم و لا يثقون فيها بغيرهم فهم دائمًا يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب في الطرق ويتجافون عن الهجوع إلا غرارًا في المجالس، وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبات، والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء فدلين بيأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقًا والشجاعة سجية يرجعون إليه متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ [3] .
(1) صحيح البخاري 1/ 15 , 19
(2) سنن ابن ماجه، قال الألباني: صحيح، 2/ 1338, رقم:4032.
(3) مقدمة ابن خلدون، ص 86.