قلت: ما أكثر هذه الصفات الحميدة التي توارثتها تلك القبائل أبا عن جد تحت مظلة الإسلام وتهذيبه حتى صار بعض القبائل مضرب المثل بطاعة الله ورسوله وطاعة ولي أمر المسلمين حين انقادوا لمنهج سلف الأمة الصالح.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"ما رأيت قومًا أشبه بالسلف من الأعراب لولا جفاء فيهم" [1] .
وقال غَيْلان: إذا أردت أن تسمع الدعاء؛ فاسمع دعاء الأعراب [2] .
وقال الجاحظ: ليس في الأرض كلام هو أََمتع ولا أَنفع ولا أنقى ولا ألذَ في الأسماع؛ ولا أشد اتصالًا بالعقول السليمة؛ ولا أفتق للسان؛ ولا أجود تقويمًا للبيان؛ من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء [3] .
وقال ابن المقفع: أي حكمة تكون أبلغ أو أحسن؛ أو أغرب أو أعجب من غلام بدوي لم يَر رِيفًا؛ ولم يشبع من طعام؛ يستوحش من الكلام؛ ويفزع من البشر؛ ويأوي إلى القَفر واليرابيع والظباء؛ وقد خالط الغيلان؛ وأنس بالجان [4] .
قلت: هذه الصفات اليوم لا تكاد تذكر إلا ما شاء الله والخير في الأمة لا ينقطع.
الصفة السادسة: معرفة أنساب العرب.
يعيش بعض الناس اليوم على هامش الحياة فحين قطعت أرحام وتباعدت قلوب، وضعف العلم لا يستطيع ممن أترف، واغتر بالحضارة معرفة نسبه وإلى أي قبيلة ينتسب فضلا عن هويته الإسلامية، وتاريخه العريق، وقصة يزيد ابن شيبان التميمي أحد سادات العرب مع الأعرابي القصاعي، وكيف لقنه درسا في معرفة أنساب العرب، وذلك أن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، قد خرج للحج فلما انتهى من الحج، استعجل الرحيل قبل جماعته والتحق بجماعة من الحجاج العائدين وكانوا من مهرة ومهرة من قضاعة. فسألهم يزيد عن نسبهم فقالوا من قضاعة فكأنه لما سمع ذلك استصغر شأنهم وصد عنهم. طبعا هم استغربوا من فعله. قالوا له: مالك سألتنا عن نسبنا فلما انتسبنا لك صددت
(1) البيان والتبيين للجاحظ، 2/ 146, العقد الفريد، 3/ 383.
(2) سبق تخريجه.
(3) البيان والتبيين للجاحظ، 1/ 91.
(4) زهر الآداب وثمر الألباب، 1/ 365.