الإعراب:
الواو عاطفة، والأظهرُ أن تكون للاستئنافِ، وفي الأرض: مُتَعلِّق بمحذوف وجوبًا خبر مُقَدَّم.
ومنأى: مبتدأ مُؤخر.
للكريم: مُتعَلِّقٌ به، ومثله من الأذى.
وفيها: الواو عاطفة، خبر مُقَدَّم.
لمن: اسم موصول.
وخاف: صلته.
القلى: مفعول. والجار والمجرور متعلق بمتحول الذي هو المبتدأ.
المعنى:
إن الكريمَ بعيدٌ عن الهوانِ والقِلَى، إذ الأرضُ عريضة الأرجاء، واسعة الفلا، وفيها تحوّل وتنقل لمن خَشِي أن يبغض أحدًا، وتنزَّه عن أن يبغضه أحد، تالله لقد أصاب وحقق، وبالصِدْقِ تَوَّشَحَ وتَمنطقَ، حيثُ إن الأرض تقومُ مقام غيرها وبها يرتاح، وربّما يقع بجيرانٍ مكان جيرانه ويحصلُ لهُ بقربهم الفلاح، والعاقلُ لا يسعهُ المكثَ بين ظهراني قومٍ لا يراعون ذمامه (1) ،ويرتاح للهوان والأذى ويطلب الإقامة. وبعد هناء العيشِ والعزِّ يُمَّلُّ ويبغض، بل شأنهُ التشبث بأذيال الهجرةِ والارتحالِ، وليس عن تركِ الأوطانِ مجال، لكرامةِ نفسهِ ولذكاء غرسه (2) ،ولذا عَبَّرَ بالكريمِ عن المرءِ، قالَ أبو فراس (3) : [من البسيط]
مَنْ كان مِثليَ فالَدُنْيا لهُ وطَنٌ ... وكُلُّ قومٍ غدا فيهم عشائرهُ (4)
وقال ابن مُقَرَّب (5) : [من البسيط]
آليتُ أَنفكُّ عن حِلٍّ ومُرْتَحَلٍ ... أو أن تقولَ لي الأيامُ خُذْ ودَعِ
لا صاحَبَتِّني نَفْسٌ لا تُبَلِّغني ... مَراتِبَ العِزِّ لو في ناظِرِ السَبُعِ
لأَرَكَبَنَّ من الأهوالِ أعظَمَها ... هَولًا وما يَحفَظُ الرحمنُ لَمْ يَضعِ
(1) الذمام والمذَّمةُ: الحق والحرمة، والجمع أذمة، والذَّمةُ: العهد والكفالة. لسان العرب (ذمم) :12/ 221.
(2) ينظر رشف الضرب:81.
(3) في الأصل: أبو نواس، وهو تحريف، والتصحيح عن الغيث المسجم:1/ 117.
(4) ديوان أبي فراس الحمداني:23 (طبعة دار صادر) ورواية الشطر الأول: يمسي وكل بلاد حلها وطن.
(5) ديوان ابن مُقَرَّب العيوني:319.