فهرس الكتاب
وعند في قوله تعالى: { ... آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنْا عِلْمًا} (1) , ولو جيء بعند فيهما , أو بلَدُنْ فيهما , لصحَّ , ولكن تُرِكَ للتكرارِ , وتفارقُ لَدُنْ أيضًا من وجهٍ آخرَ , وهو أنَّ لَدُنْ لا تكون إلاّ فضلةً , بخلافِ لَدَى وعِنْد , بدليلِ: { ... وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ... } (2) , { ... وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (3) , ومن وجه آخر أيضًا وهو أنَّ جَرَّ لَدُنْ بمن أكثر من نصبِها , حتّى أنها لم تجئ في التنزيلِ منصوبةً , وجَرُّ عِنْد كثيرٌ , وجَرُّ لَدَى مُمُتِنعُ , وأيضًا أن لَدَى وعِنْد معربان , ولَدُنْ مبنيَّةٌ في لغةِ الأكثرين , إِلأ أنَّ قيسًا يعربونها (4) , وبلغتهم جاءت [16ظ] قراءة (مِنْ لَدُنْ) (5) , بضم الدال وكسر النون , وأيضًا أن لَدُنْ قد تضاف إلى الجملة , كقوله (6) :
لَدُنْ شَبَّت حَتَّى شَابَ سُوُد الذَّوائِبِ (7)
وأيضًا أن لَدُنْ قد لا تُضاف , وذلك أنهم حكوا في غدوة الواقعة بعدها: الجَرُّ بالإضافةِ , والنصبُ على التمييزِ , والرفعُ بإضمارِ كان تامة (8) , وهذا غايةُ ما قيل في الفرقِ بين لَدَى ولَدُنْ وعِنْد , فخذه وكن من الشاكرين.
بقي شيء , وهو أنَّ عِنْد أمكنُ مِنْ لَدَى , من وجهين: أحدهما أنها تكون ظَرْفًا للأعيان والمعاني , تقول: هذا القولُ عندي صوابٌ , وعِنْد فلانٍ علمٍ , ويمتنعُ ذلك في لَدَى , ذكره ابنُ الشجري (9) في أماليه ومبرمان (10) في حواشيه (11) ,وثانيهما انكَ تقولُ: عندي
(1) الكهف:65.
(2) المؤمنون:62.
(3) ق:4.
(4) ينظر ارتشاف الضرب: 2/ 265، وهمع الهوامع:2/ 161.
(5) هود:1، وهي قراءة الكسائي، وأبي بكر بن عياش ينظر: السبعة في القراءات:388، و396، وشرح ابن عقيل:3/ 67.
(6) هو عمير بن شييم المعروف بالقطاميُّ، شاعر غزل فحل، وهو إسلامي، ت نحو 13هـ (طبقات فحول الشعراء:2/ 543 - 535، والشعر والشعراء:2/ 723 - 726، والاغاني:24/ 17 - 51) .
(7) ديوانه:44، وهو عجز بيت وصدره: صريع غوانٍ راقهن ورقنهُ.
(8) ينظر: شرح ابن عقيل:3/ 68 - 69، شرح الاشموني:2/ 138.
(9) هو أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد، من أئمة النحو واللغة، ت450هـ (معجم الأدباء:5/ 592 - 593،بغية الوعاة:2/ 324، نزهة الألباء:348 - 349، ووفيات الأعيان:6/ 45 - 50) وقوله هذا في الاماني الشجرية:1/ 224).
(10) هو محمد بن علي، لقبه المبرد بمبرمان لكثره سوأله له وملازمته، إمام في اللغة والنحو، ت 345هـ (( معجم الأدباء:5/ 377 - 379، طبقات النحاء اللغويين:194 - 195، بغية الوعاة:1/ 175 - 177 ) ).
(11) هو من كتبه المفقودة، وقد ذكر له هذا الرأي ابن هشام في مغني اللبيب:1/ 209.