فهرس الكتاب
المعنى:
ليس تأخر يدي عن خوف وذل , وإنما هي سعة ناشئة عن إحسان وتفضل , علمًا مني بأنَّ المتفضل أفضل على الأكلة وأكمل , وإن عفة النفس عن الخصال المذمومة أكرم وأجمل , وإني لذلك حري قدير , وفي إدراك المزايا الحسنة بصير خبير , وأنهر نفسي عن صدور ما يخل بالمروءة , ولو لم أعب , وأحرضها على إدراك ما يقتضيها من السؤدد [32و] علو النَّسب , وقد قال الشاعر (1) : [من الطويل]
حنانيك عني إنما عفةُ الفتى ... إذا مال عن لذاته وهو قادر
تكملة:
من الطباع الغريزية الممدوحة ما نقل عن الأصمعي (2) , قال: قصدت في بعض الأيام رجلًا كريمًا أغشاه لكرمه , فوجدت على بابه بوابًا , فمنعني من الدخول إليه , ثم قال الحاجب: يا أصمعي , ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلاّ لرثة حاله وقصور يده , فكتبت له رقعة أقول فيها: ... [من الوافر]
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم
ثم قلت له: أوصل رقعتي إليه , ففعل , فعاد بالرقعة , ورقعة معها مكتوب فيها ... شعرًا: [من الوافر]
إذا كان الكريم قليل مال ... تحجب بالحجاب عن الغريم
ومع الرقعة صرة فيها خمسمئة دينار , قلت: والله لأتحفن المأمون (3) بهذا الخبر , فلما رآني قال: من أين يل أصمعي؟ قلت: من عند رجل أكرم الأجياد ما حاشا أمير المؤمنين , قال: ومن هو؟ فدفعت إليه الرقعة , فلما رأى الصرة , قال: هذه من بيت
(1) لم أقف على البيت ولا قائله.
(2) هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب، صاحب النحو واللغة والغريب والملح والأخبار، ت 213هـ (نور القبس:125 - 170، ونزهة الالباء: 102 - 112، ووفيات الأعيان: 3/ 170 - 176) .
(3) هو أبو العباس عبد الله بن الرشيد، سابع خلفاء الدولة العباسية، عرف بالحلم والعلم والدهاء والشجاعة والفصاحة، ت208هـ (عنوان المعارف:55 - 56، وتاريخ بغداد: 3/ 336 - 342، وتاريخ الخلفاء:306 - 333) .