فهرس الكتاب
مالي؟! ولابد من الرجل , قلت: والله , ياأمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه برسلك , فقال لبعض خواصه: امض مع الأصمعي , فإذا رآك الرجل فقل له: أجب أمير المؤمنين - من غير إزعاج - , فلما أحضر الرجل , قال المأمون: أما أنت الذي وقفت بالأمس وشكوت رقة [32ظ] حالك , وأن الزمان قد أناخ بكلكله عليك , ودفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها ما بدالك , فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين , والله ما كذبت فيما شكوته إليك , فقال المأمون: لله أنت! فما ولدت العرب أكرم منك , ثم بالغ في إكرامه , وجعله من خواصه (1) .
وقد نقل عن حاتم الطائي أنه أخذ إبله غزو من بعض العرب , فطلبها مع عشيرته , فلما لحقوا الغزو أخذوا من أيديهم الإبل , فلحق حاتم رئيس السرية , فالتفت وإذ هو يرى حاتم من خلفه قد قارب طعنه , فقال يا حاتم: اعطني رمحك! فقال حاتم: خذه , وناوله الرمح!
فقال له رفقاؤه: يا حاتم كيف تعطي عدوك رمحك في مثل هذا الموطن؟!
قال: يا هؤلاء ما جواب من يقول أعطني (2) !
وما ذكرنا من ذكر هذين القضيتين إشعار بأن الشَّنْفَرَى ليس فيه من مكارم الأخلاق تخلق منه , بل غريزة , إذ لو كانت غير غريزة لم يتكلفها مع مرافقة الحيوانات لأنه لا موجب للتكلف , إذ ليست مدركة.
ومما يناسب هذا المقام أن الأصمعي مر بكناس يكنس كنيفًا وهو رافع صوته , وهو يتغنى بهذه الأبيات (3) : [من الوافر]
(1) ينظر: المستجاد من فعلات الاجواد: 197 - 198، وثمرات الأوراق:268 - 269.
(2) ينظر: المستطرف:1/ 170.
(3) الأبيات للعرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي القريشي، شاعر غزل مطبوع، كان مشغوفا باللهو والصيد وكان من الفرسان المعدودين، ت120هـ، (ألاغاني: 1/ 383 - 417، ومعاهد التنصيص: 3/ 172، والمقاصد النحوية:1/ 416، والخزانة:1/ 98 - 99) والأبيات في دايونه:34 - 35.