النصوص الواردة بنفي الحرج. وثانيها: أن المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء" [1] ."
-... كما أن مقولة عمر بن عبدالعزيز ترجع إلى فقه الموازنات وهذا الفقه له مدخله في كل الأبواب الفقهية، ذلك أنه قد يقع تزاحم المصالح التي تحتاط لها الأنظمة فيما بينها أو المفاسد التي تدرؤها وترفعها الأنظمة فيما بينها، أو بين المصالح والمفاسد، فيحتاج المنظم إلى تغليب جهة منها، ذلك أنه متى علم المنظم كيف يراعي مصلحة عموم الناس، وكيف يحفظ لهم تَوافقَ مقاصدهم مع مقصد الشارع، وكيف يدفعه عن مناقضة قصد الشارع، وكيف يحفظ مقصدَ الشارع حالَ مخالفةِ مقصدِ المكلفين له، فإنه بذلك يكون قد راعى مآلات الأحكام التي يراد تنزيل - الأنظمة - على وقائعها، وفي ذات الوقت يكون قد حقق الغايات والمقاصد والمرامي التي أرادها الشارع من وضع الشريعة على الجملة.
-... إن المقصود بالأقضية في المقولة العمرية هي الأحكام الشرعية، قال النفراوي:"وقد قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لأنه من الأئمة الراشدين المقتدى بهم في أقوالهم وأفعالهم , ففعله وقوله كل منهما حجة، وقوله"تحدث للناس أقضية"جمع قضاء أي أحكام يستنبطها كل مجتهد بحسب اجتهاده" [2] ، والأحكام الشرعية تجري في جميع أبواب الفقه، والأنظمة والتنظيمات و السياسات والإجراءات والقرارات الصحيحة التي تصدر عن ولي الأمر في أمور الدولة والحكم والولاية العامة؛ فتجري هذا المقولة في جميع أبواب الفقه.
-... إن القضاء ينظر في جميع الأمور التي يكون فيها خصومة وهي شاملة لجميع أبواب الفقه، ويصدر فيه أقضية تشمل جميع أبواب الفقه؛ وبناءً عليه فالأنظمة والسياسات العامة والقرارات مشمولة في القضاء والأقضية وقد يوضع لها محاكم خاصة على مثال القضاء الإداري الذي ينظر في القرارات الصادرة بموجب أنظمة ولوائح تنفيذية، والمحاكم الدستورية التي تنظر في دستورية الأنظمة والسياسات العامة؛ وجميع ذلك دليل على أن تطبيقات هذه المقولة أوسع من أن يحصر في مجال واحد من مجالات القضاء.
-... إن صاحب هذه المقولة التي جعلها على الألسن مشهورة ليس قاضيًا، فهو الخليفة الفقيه والحاكم العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - وقد عمل بها، وبها أمر في جميع مجالات الحكم والدولة والولاية العامة، في إلغاء أنظمة وتنظيمات و سياسات وقرارات وإجراءات، وفي استحداث غيرها أفضل منها وفق ما يقتضيه الحال والزمان والمكان، وحسب ما
(1) الطرابلسي الحنفي، علاء الدين أبو الحسن علي بن خليل، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام،، بيروت: دار الفكر، ص 176.
(2) النفراوي الأزهري المالكي، أحمد بن غانم بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين (ت:1126هـ) (1425هـ - 1995م) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، تحقيق: الشيخ عبد الوارث محمد علي، دون طبعة، بيروت: دار الفكر. 2/ 221.