للمصالح المعتبرة. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر (- رضي الله عنه - من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النَّبي (- صلى الله عليه وسلم -. ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر ... وكاشترائه أعني عمر (- رضي الله عنه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنًا في مكة المكرمة، مع أنه (- صلى الله عليه وسلم - لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر (- رضي الله عنه -. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به. كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الاجتهادية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة" [1] ."
ويفهم من قول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن مقصوده بالنظام الإداري الأنظمة أو التنظيمات الاجتهادية التي محلها صالح لدخول النظام عليه من جهة والتي لا يترتب على العمل بها مخالفة لشرع الله، ويأتي هذا في مقابل الأنظمة الوضعية التي تزيل شرع الله وتحل محله، قال - رحمه الله:"وأما النظام الوضعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض. كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام - الذي يزيل شرع الله ويحل محله - في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها - سبحانه وتعالى - عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا" [2] .
والطريق الوقائي لسنّ الأنظمة وفق الشريعة: وهو أن تعرض مشروعات القوانين الجديدة على لجنة شرعية لإبداء الرأي في مطابقتها للشريعة. والطريق العلاجي للأنظمة المخالفة للشريعة: وهو الطعن في الأنظمة النافذة متى كانت مخالفة للشريعة [3] . وعلى هذا فالذي يتولى عملية التدقيق الفقهي للأنظمة في الدولة الإسلامية حسب التخصص والمعايير المهنية هم المجتهدون وأهل الفتيا، وهم مجموعة يرجع إليهم في
(1) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني (1325 - 1393ه) ، أضواء البيان في ايضاح القرآن بالقرآن، إشراف د. بكر عبدالله أبو زيد، وقف مؤسسة سليمان بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية، الطبعة الأولى، 1426ه، دار علم الفوائد، مكة، (ص: 109 - 110) .
(2) الشنقيطي، محمد الأمين، المصدر السابق، (ص: 110 - 111) .
(3) القاضي، عبدالله محمد محمد (1410هـ) ، السياسة الشرعية مصدر للتقنين بين النظرية والتطبيق: دراسة تأصيليه للوحدة الجامعة بين السياسة والفقه في الشريعة .. ، ط 1، القاهرة، (د. ن) ،1410هـ، (ص:574 - 575) .