الصفحة 24 من 74

كان مندرجًا تحت النتائج غير المقصودة فإما أن يكون مؤكدًا للقصد أو معارضًا له، ولا بد قبل سنّ النظام النظر في جميع الاحتمالات المذكورة السابقة ثم تقدير ما كان منها معارضًا لتحقيق المقصود وطرحه مما كان وفق المقصود، فإما أن يتساويا فتكون النتيجة صفرًا، وهذا يعني أن تحصيل المنفعة يؤدي إلى مفسدة مساوية للمنفعة، فيكون حكم سنّ النظام أن يُدرأ وتُسد الذريعة له؛ عملًا بالقاعدة الفقهية"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" [1] أو تزيد المنفعة عن المفسدة فتكون النتيجة موجبة، وهذا يعني أن في سنّ النظام مصلحة راجحة، أو تزيد المفسدة عن المصلحة فتكون النتيجة سالبة، وهذا يعني أن سنّ النظام يؤدي إلى إحداث مفسدة تزيد عن المنفعة فيكون حكمها أن تسد ذريعتها.

ولا يمكن أن يحكم على نظام معين بمجرد النظر في مواده وموضوعه ومحله دون النظر إلى أثره ونتائجه المتوقعة، والنظر إلى محصلة العمل به، على سبيل التقدير قبل صدوره والتقويم بعد العمل به.

ولا يعني ذلك أن تقدير النتائج المقصودة والنتائج غير المقصودة يحدث دائمًا في وقت واحد، فالغالب أن تقدير النتائج المقصودة يحدث أثناء البدء بسنّ الأنظمة وتحصيلها، أما تقدير النتائج غير المقصودة فيحدث غالبًا بعد سنّ النظام وبعد العمل به وأحيانًا يحدث أثناءه؛ لذا فالغالب تعلقه بحكم استمرار تحصيل لمنفعة العمل بالنظام، وليس حكم إنشائها لفوات وقته.

وعند النظر إلى مجموعة العوامل التي وردت في هذه الفقرة وهي كل من: المآل المتوقع وغير المتوقع، وجلب المصالح، وسد الذرائع، وفتح الذرائع نجد أن للجميع نسقًا معينًا لا يدرك بالنظرة الأولى، وهي أن حركة العمل والواقع يغيران في المآل مع استمرار الزمن، حتى تتحول المصلحة إلى غيرها، سواء بالجلب المباشر، أو بفتح ذريعة لمصلحة، أو بسد ذريعة لمفسدة، ويمكن اعتبار كل واحدة منهما سياسة لجلب المصالح.

فلا يمكن أن تأتي النتائج مطابقة للتوقعات؛ لذا فكل عملية سنّ أنظمة لا بد أن يستمر تقويمها حتى بعد إصدار النظام وتطبيقه والاستمرار في التقويم إلى أن يستقر النظام وتعرف آثاره المجهولة، ويعرف متى تضعف وتنخفض مصلحته إلى أن تنتهي أو تتحول إلى مفسدة مع تغير الزمان والحال ليتم تعديله أو إلغاؤه، وتلك سمة أن تقدر الأنظمة بقدرها فتمنع الجمود والتحجر. والحاصل نتيجة لذلك هو أنه لا توجد سياسة متعمدة صرفة أو سياسة ناشئة صرفة، فالغالب أن السياسات مركبة [2] .

(1) ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم (1406هـ - 1986م) ، الأشباه والنظائر، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، الطبعة دون، دمشق: دار الفكر،، ص 99.

(2) ويقابل هذا في مجال الإدارة مفهوم الاستراتيجيات المتعمَّدة، والاستراتيجيات غير المحققة، والاستراتيجيات الناشئة، وذلك أن السياسة التي يمكن تطبيقها بطريقة تحقق مقصودها، بحيث تعتبر سياسة تحققت فعلًا، يطلق عليها سياسات متعمَّدة، أي مقصودة، بينما السياسات التي لم يستطع تحقيقها، تسمى سياسات غير محققة أو بعبارة أخرى غير مقصودة،،و النوع الثالث وهو الاستراتيجيات التي تحققت على غير قصد الأول، وهي السياسات الناشئة وسميت ناشئة لدخولها نطاق العمل دون قصد من جهة الإدارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت