الصفحة 23 من 74

ومن تكثير الفائدة التي يرجح المصير إليه استحداث المرغبات في الخير بقدر ما يحدث للناس من الفتور، وعلى سبيل المثال لا الحصر جميع الأنظمة الصادرة للاحتياط للعبادات من جهة الترغيب في أدائها وعدم الإخلال بها فتسنّ للناس أنظمة لِتُحْدِث لهم مرغبات في العبادات ومحفزات بقدر ما حدث لهم من الفتور [1] ، ومن الأمثلة على ذلك إقفال المحلات التجارية في أوقات الصلاة، وما في ذلك من معاونة على الخير والتشجيع عليه وتوفير البيئة والوقت المحفز له، وصرف مكافأة مالية لمن يدل على وقف مجهول، وسقوط العقوبة لمن دل على جريمة قبل وقوعها وتعاون مع السلطة التنفيذية، وجميع تلك تعد من المرغِّبَات التي تساعد على الطاعة والامتثال، وقال الشاطبي:"كما تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما حدث لهم من الفتور" [2] .

الضابط الثالث: عدم إحداث النظام مفسدة مساوية للمصلحة التي يحتاط لها أو أكبر منها:

وظيفة هذا الضابط هو اختبار جدوى مآل سنّ النظام المعين هل يحقق مصلحة أو لا؟ والمراد في المآل: هو أن يأخذ سنّ النظام حكمًا يتفق مع ما يؤول إليه سواء أكان القائم على سنّ النظام يقصد ذلك الذي آل إليه أثر النظام أم لا يقصده، فإذا كان النظام يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب، وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو منهي عنه [3] .

فلا يحكم على سنّ نظام معين بالصحة أو الفساد إلا بعد النظر إلى ما يؤول إليه العمل بالنظام فقد يكون مشروعًا لمصلحة يحتاط لأجلها أو لمفسدة تدرأ أو ترفع أو تخفَّف، ولكن له مآل ونتائج على خلاف ما قصد منه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، وتزيد أهمية تقدير مآل سنّ الأنظمة عمَّا سواها من سياسات أو قرارات إدارية، حيث إن النظام أوسع انتشارا وأدوم تأثيرا وأعمق أثرا، لذا فنتائجه غير المقصودة أكثر وأكبر، الأمر الذي يوجب النظر في تقدير المآل الأبعد والأعم لكل نظام يسنّ قبل الحكم عليه بالصحة والفساد.

والواقع أن نتائج سنّ أي نظام تنقسم إلى مقصودة وغير مقصودة، وهما ينقسمان إلى نتائج مباشرة وغير مباشرة، فما كان منها مندرجًا تحت النتائج المقصودة فينتهي إلى نتائج وفق التوقع، وهي دائمًا مؤكدة للمقصود أو نتائج على خلاف التوقع تأتي تارةً مؤكدة للمقصود وتارةً أخرى معارضة للمقصود، أما ما

(1) انظر، الشاطبي؛ الاعتصام 1/ 49.

(2) الشاطبي؛ الاعتصام 1/ 49.نفس المرجع، نفس الصفحة

(3) ،عثمان، محمود حامد، قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي، الطبعة الأولى، القاهرة: دار الحديث، 1417هـ - 1996م، ص 211. (بتصرف)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت