المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن من الخصائص التي خصَّ الله بها الشريعة الإسلامية, أن جعلها سمحاء حنيفية تقوم على السهولة والرفق, وتدعو إلى التيسير والتخفيف, ورفع الحرج, والمشقة عن المكلفين, ومن ثم فاضت بأحكام الرحمة للعالمين جميعًا, فقال سبحانه وتعالى بطريق الحصر, مبيّنًا الهدف من بعثة رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [1] } ؛ وتهدف الشريعة إلى تحقيق مصالح المكلفين في العاجل والآجل , حيث راعت أحوالهم المختلفة والمتفاوتة قوةً وضعفًا, وما يطرأ عليها من أعذار, ومن ثَمَّ جاءت التكاليف الشرعية مناسبة لكل هذه الحالات, بما يتفق مع المصالح الشرعية, ويحافظ على المصالح الدنيوية والأخروية لهم , ومن تلك الأمور التي راعت سنَّة الله (- عز وجل - في دوام تغير الأحوال, تشريع أدواتٍ ووسائلَ وضوابطَ لرفع الحرج والتوسعة والتيسير، وهي من أهم مقاصد العمل الحكومي بعامة وسنّ الأنظمة والتنظيمات بخاصة، وقبل ذلك وبعده يأتي طلب التوفيق من الله عزَّ وجلَّ، وعدم الاعتماد باستقلال على الأسباب أو الاغترار بها، فتوفيق الله هو عامل النجاح الأساس والصحيح الذي يهمله كثيرون اليوم، ولا يعرف قيمته الحقيقية إلاَّ القليل [2] .
إن مسألة رفع الحرج والتيسير على الناس على مستوى تصرفات الدولة المعاصرة هي أحد جوانب مشكلة السلطة السياسية المتمثلة في معضلة إيجاد التوازن بين المصالح الفردية والمصالح الجماعية في المجتمع، الذي تجسد الدولة رغباته، فالدولة تتصرف باستخدام السلطة التي تستطيع بها فرض أوامرها على أفراد المجتمع، بحجة قصد الصالح العام، وباعتبارها قوة قادرة على تجسيد طموحات الرعية، وأنها خادمة للفكرة التي قامت عليها الدولة والتي تمثل مستند شرعيتها، [3] ، ويعني هذا أن مصالح الفرد ومصالح المجموع في الدولة تشكلان طرفيْ نزاع في مشكلة تحصيل التوازن السليم بين المصالح الفردية والمصالح الجماعية، ويتوقف على
(1) (( - الأنبياء 107.
(2) مقتبسة بتصرف من مقدمة خطاب حسن السيد حامد، قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي، بحث محكَّم بمجلة الأصول ... و النوازل، العدد الثاني، 1430هـ - 2009 م، ص ص.