شرعًا بما أنزله في قرآنه، وما أقر عليه رسوله، وما نصبه من دلائله، وبهذا المعنى لا تشريع إلا لله وحده (- جل جلاله -، ولا تملك الأمة إلا الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على ما يجد من الحوادث، وليس للفقهاء ولو اجتمعوا على صعيد واحد أن يتجاوزوا الإطار الذي تحدده هذه النصوص.
وإنما جاز للسلطة السياسية سنّ الأنظمة ابتناءً على أحكام الشريعة، وهو سنّ الأنظمة بالمعنى الثاني - ابتناءً واتباعًا وتنفيذًا - هو بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة، فهذا هو ما تولاه بعد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - خلفاؤه (- رضي الله عنهم - ومن علماء صحابته ثم خلفاؤهم من فقهاء التابعين وتابعيهم من الأئمة، فهؤلاء لم يشرعوا أحكامًا مبتدأة وإنما استمدوا الأحكام من نصوص القرآن والسنة وما نصبه الشارع من الأدلة وما قرره من القواعد العامة، ووفق ضوابط واعتبارات شرعية، فهذا هو المعني في الإسلام، [1] وهو نفس المعنى المقصود في التساؤل: هل تسنّ الأنظمة في المنصوص عليه أو يقتصر على المسكوت عنه؟
فالعمل الذي قصد المنظِّم أداءه بسنّ الأنظمة متى كان محرمًا في الشريعة أو مكروهًا أو مندوبًا أو واجبًا، يأتي النظام مؤكدًا للحكم الشرعي وموضحًا لمحل الحكم في الوقائع والنوازل. ومتى كان مباحًا يأتي النظام إما مؤكدًا لحكم الإباحة وموضحًا لمحل الحكم في الوقائع والنوازل، أو يأتي النظام مُعْلِمًَا بتغير حكم الإباحة إلى حكم آخر اقتضته المصلحة كما قدَّرها ولي الأمر، وليعرف محل المصلحة الحادثة والمحدثة التي وضع النظام للاحتياط لها فتؤتى، ومحل المفاسد الحادثة التي وضع النظام لدرئها أو رفعها أو تخفيفها فتجتنب [2] .
سنّ الأنظمة الموضوعية مقابل الاقتصار على سنّ الأنظمة الإجرائية:
ويقصد بالأنظمة الموضوعية - التشريعية - التي تعالج أفعال العباد وتدل على حكم الفعل الإنساني من حيث الأحكام التكليفية، ولما أن الإمام ملزم بتسيير أعماله وفق أحكام الشرع، وهذا يقتضي ترجيح أحكام اجتهادية على أخرى، صار للإمام الحق في أن يتبنى أحكامًا اجتهادية تسن الأنظمة التشريعية على وفقها يباشر بها الحكم ورعاية شؤون الدولة.
و يقصد بالأنظمة الإجرائية كل ما له علاقة بالوسائل والأساليب المطلوبة لتنفيذ الحكم الشرعي وهي الإلزام والمنع من مباح معين يعد وسيلة أو أسلوب متعلقا بالحكم الشرعي، وليس للدولة التدخل بالمنع والإلزام بإصدار قوانين إجرائية للأساليب والوسائل غير إقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة وتنظيم
(1) انظر، ضو، مفتاح غمق (2002م) ، السلطة التشريعية في نظام الحكم الإسلامي والنظم المعاصرة (الوضعية) ،منشورات شركة ELGA، مالطا،، (ص:18 - 25) ، وانظر، الصاوي، صلاح، نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية، ورقة علمية في موقع المحامون المحترمون،13نوفمبر 2009م http://kambota.forumarabia.net/t3994 - topic ص:71، وانظر، عبداللطيف، حسن صبحي أحمد، الدولة الإسلامية وسلطتها التشريعية، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، (ص:289) ، وانظر، عبدالوهاب خلاف، السلطات الثلاث في الإسلام، بحث، مجلة القانون والاقتصاد، السنة 37، (ص:565) .
(2) وينظر، الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع، 1978م، مرجع سابق،129.