1.... السياسة المتعلقة بمحل النظام: وهي سياسة تقييد إحداث الأنظمة بإحداث المفاسد: الأصل عدم سنّ الأنظمة في المصالح، فلا تدخل الأنظمة على المصلحة إلا لرفع مفسدة، وليس لأجل أنها مصلحة، وإنما لأجل تعلقها بمفسدة، فالأنظمة لا تدخل في المصالح إلا لدرء المفسدة المتعلقة بها أو رفعها؛ لذا فالأصل مطرد في أن المصالح ليست محلًا مناسبًا لسنّ الأنظمة، فلا يصح أن تقيد المصالح بالأنظمة دون ضرورة أو حاجة. و قد أشار الطاهر بن عاشور إلى جميع تلك المعاني من ثلاث جهات وجعلها في المقام الأول للتشريع، من جهة أن القصد الأول هو دخول التشريع على المفاسد بقصد تغيرها، ومن جهة أن تقييد الناس والشدة عليهم في التشريع تأتي بالقصد الثاني التابع وعلى خلاف الأصل لمصلحة راجحة، ومن جهة أن التشريع يأتي للتخفيف عن الناس و رفع الحرج عنهم، فقال:"والتحقيق أن للتشريع مقامين: الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها وهذا هو المقام المشار إليه بقوله (- عز وجل - ? {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?} (البقرة:257) وبقوله (- عز وجل - ? {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?} (المائدة:16) ، والتغيير قد يكون إلى شدة على الناس رعيًا لصلاحهم، وقد يكون إلى تخفيف إبطالًا لغلوهم" [1] .
2.... السياسة المتعلقة بتوقيت سنّ الأنظمة: وهي سياسة تربط توقيت إحداث الأنظمة بتوقيت حدوث المفاسد: الأصل بيان الحكم عند أول الحاجة إليه، ويقاس على ذلك إحداث الأقضية يكون عند أول الحاجة إليها، وكذلك الأنظمة تسنّ عند أول الحاجة إليها، وأول الحاجة تعرف بحدوث الفجور أو بمقدماته، فعندها فقط تسنّ الأنظمة لدرء المفاسد ورفعها وذلك احتياطًا لسعة الشريعة ورفعًا للحرج على الناس، فلا يزاد في وقت تقييد المباحات أو الحريات المشروعة للناس عن الوقت اللازم لذلك، فالأصل توسيع النطاق الموضوعي للمباحات والزمني للحريات المشروعة قدر الإمكان.
3.... السياسة المتعلقة بمقدار الأنظمة التي تسنّ: وهي سياسة الاقتصار في مقدار الأنظمة المحدثة على الحد الأدنى الصالح لدرء المفاسد أو رفعها أو تخفيفها الحادثة: تقييد استحداث الأقضية على قدر حدوث الفجور يضبط مقدار الأقضية ويقاس عليها
(1) الطاهر بن عاشور (1978م) مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 102