الأنظمة بمقدار المفاسد الحادثة، فلا يزاد عن المقدار الكافي لدرء ورفع المفسدة التي سنّ النظام لأجلها.
وبمراعاة مقتضى هذه المقولة يكون قد تحقق مقصدٌ إداريٌ يتعلق بكفاءة الأنظمة، وهو تدبير الأمور بأقل قدر من الأنظمة، الأمر الذي يكفل أعلى قدر من الحريات، و التيسير على الناس؛ ويعد هذا الحد الأمثل لكمية الأنظمة، أي ليس بالحد الأدنى الذي يقع دونه فراغ نظامي وليس بالحد الأعلى الذي يقع فوقه تضييق على الناس.
ومحصلة ما تقدم بيانه هو: أن الإصلاح بأقل قدر من الأنظمة هو من مقاصد السياسة الشرعية في سنّ الأنظمة، فباستقراء الواقع والوقائع نجد أن نسبة الأنظمة للحريات المشروعة هي نسبة الكبير القوي للضعيف الصغير؛ والأصل في القوي أن لا يقوَّى والضعيف أن لا يضعَّف قياسًا على قاعدة: أن"المُكَبَّرَ لا يٌكَبَّرَ"، بمعنى أن الأنظمة أمر كبير في أصله فلا نزيد في تكبيرها. و قياسًا على قاعدة: أن"المُصَغَّر لا يُصَغَّر"بمعنى أن حريات الناس في هذا الزمن ضاقت وصغرت فلا نزيد من صغارها ولا نبالغ في تضييقها وتقييدها بالأنظمة الكثيرة، وهاتان القاعدتان لغويتان استفاد منهما الفقهاء وأجرياها في استنباط الأحكام [1] و مقتضى هاتين القاعدتين اللغويتين، المُكَبَّرَ لا يٌكَبَّرَ و المُصَغَّر لا يُصَغَّر، يدور مع حقيقةً و معنى تقدير الأمر بقدره المناسب، و هو المعنى المقصود بقول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"بقدر ما".
وقد حرص الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - على إطلاق الحريات المشروعة في عهده، ومنها على سبيل المثال لا الحصر حرية الفكر من حيث الرأي والتعبير فقد أتاح لكل متظلم أن يشكو من ظلمه وأطلق للكلمة حريتها، وترك للناس حرية أن يقول كلٌّ ما يريد وقد عبر عن هذا القاسم بن محمد بن
(1) منها على سبيل المثال في المُصَغَّر لا يُصَغَّر:"حكي أن محمدا - رحمه الله - تعالى قال للكسائي وكان ابن خالته: لم لا تشتغل بالفقه مع هذا الخاطر، فقال: من أحكم علما فذلك يهديه إلى سائر العلوم، فقال محمد - رحمه الله - تعالى إني ألقي عليك شيئا من مسائل الفقه فخرج جوابه من النحو.؟ فقال: هات، فقال: ما تقول فيمن سها في سجود السهو ففكر ساعة.؟ فقال: لا سهو عليه. فقال: من أي باب من النحو خرجت هذا الجواب.؟ فقال: من باب أن المُصَغَّر لا يُصَغَّر فتعجب من فطنته". ومنها في المُكَبَّرَ لا يٌكَبَّرَ:"ومن ثم لا يشرع التغليظ في أيمان القسامة ولا دية العمد وشبهه ولا الخطأ إذا غلظت بسبب فلا يزداد التغليظ بسبب آخر في الأصح وإذا أخذت الجزية باسم زكاة وضعفت لا يضعف الجبران في الأصح لأنا لو ضعفناه لكان ضعف الضعف والزيادة على الضعف لا تجوز"، ينظر، محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، 1409ه، بيروت، (ج:1،ص:224) .وينظر، السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (1418هـ) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، الطبعة الثانية، مكة المكرمة: مكتبة نزار الباز، مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار الباز، ص 248.