الصفحة 62 من 74

ابتداء عندما وقعت على المخالف، وقعت على سبيل النمط التعويضي، ثم عندما لم يتم التسديد، تحولت العقوبة إلى النمط العقابي، و هذه الزيادة التي في النمط العقابي على النمط التعويضي هي التي من السهل أن تتحول إلى ضرار إذا لم تضبط بمقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -، ومن أمثلة ذلك نظر المحاكم العسكرية في قضية سبق أن صدر فيها حكم من محكمة مدنية على موظف عسكري، فإذا كان الحكم الأول الصادر من المحكمة الشرعية المختصة مقابل الجنحة أو الجناية، ألا يكون الحكم الثاني الصادر في نفس القضية وعلى نفس الشخص من باب الزيادة عن المقابل فيدخل في الضرار المنفي في قوله (- صلى الله عليه وسلم -"ولا ضرار"، فهذا الضرر الزائد بموجب أنظمة عمَّا يقابل السيئة هو ضرار من جهة أنه زيادة في المقدار الذي يحق للدولة سنّه من الأقضية عن مقدار ما أحدث الناس من فجور، وهذا يستدعي إلغاء الزيادة في الأنظمة أو السياسات أو التعليمات، أو تعديلها لترفع ما وقع من ضرار و تداركه من أن يعود.

ويأتي الضرر والضرار أيضًا من جهة استبدال النمط المناسب للأنظمة بنمط آخر غير مناسب، فعلى سبيل المثال: فالأصل أن لا تأتي الأنظمة على النمط العقابي، وإنما تأتي على النمط العلاجي؛ فإذا كان طريق المصلحة قد قطع، تأتي الأنظمة العلاجية بفتح الطريق إلى المصلحة وتيسير الوصول إليها، و على النمط الإرضائي؛ فإذا تعارضت مصالح الجهات المعنية فيما يتعلق بموضوع النظام والعمل به، تأتي الأنظمة الإرضائية للتوفيق والتنسيق والتكامل بين تلك الجهات بما يكفل عدم تطارح المصالح وصيانتها، وعلى النمط التعويضي؛ فإذا قطعت الأنظمة الطريق إلى مصلحة مشروعة تأتي الأنظمة التعويضية لتفتح الطريق إلى مصلحة بديلة تقوم مقام المصلحة التي منعها النظام أو تفوقها، فلا يلجأ إلى النمط العقابي إلا بعد استنفاذ جميع الأنماط الأخرى وعندما لا يصلحه إلا ذلك.

لذا فالنمط العقابي للأنظمة هو خلاف الأصل الذي تصاغ الأنظمة وفقه لكونه الأكثر تقييدًا للمصالح والحريات والأحرى في تجاوز الحد المقابل في العقوبات بأكثر مما يلزم.

ومنذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة حرص الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن الفيصل - رحمه الله- على مبدأ طلب التوفيق من الله بالتوسعة على الناس، ورفع الحرج عنهم والتيسير عليهم بكل ما ليس فيه مخالفة لشرع الله، ومن ذلك ما ورد في خطابه الموجه إلى أمير القصيم عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، وكافة جماعة أهل بريدة بتاريخ 28/محرم/1342هـ - 1923م يحثهم فيه على شراء أسهم في شركة نفطية تحت الإنشاء فقال:"والقصد أن تكون مصالحها للرعية أحسن، ونحن نحب أنها تكون لمصلحة الرعية؛ حيث إن مصالحها مع توفيق الله ما هي هيِّنة، ولا أحد يقيسها" [1] .

و مما يستفاد من سياسة الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - هو: تقرير أن سياسة ولاة الأمر لتحصيل

(1) التويجري، عبدالعزيز بن عبدالمحسن (1998م) لسراة الليل هتف الصباح: الملك عبدالعزيز: دراسة وثائقية، الطبعة الثالثة، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، ص ص: 418 - 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت