الصفحة 61 من 74

لما فيه من ترك لضرر حادث دون رفع أو تخفيف وتقليل.

والذي يظهر أن أغلب التجاوزات النظامية للحكومات اليوم هي من التعسف السلبي غير مقصود، وهي من الفجور أو الشرور الخفية لما فيها من امتناع عن تقديم خدمة نافعة يحتاج إليها عموم للناس و ليس فيها مخالفة للشرع ولا ضرر على الدولة؛ فانتفاء المصلحة المشروعة قرينة لقصد الإضرار، ومن ذلك أن لا يكون للدولة منفعة في استعمال حقها في سنّ الأنظمة، مع ما يترتب عليه من ضرر بعامة الناس، فالأصل أن تمتنع الدولة عن استخدام حقها في سنّ الأنظمة دون منفعة لها راجحة، كما أن الأصل أن تمتنع الدولة عن ترك سنّ أنظمة ينتفع بها الناس وليس على الدولة في ذلك ضرر راجح، فترك الفعل النافع هو في الحقيقة فعل ضار؛ وهو قرينة على تمحض قصد الإضرار، وتمتنع الدولة من باب أولى إذا استعملت حقها على وجه سلبي، بأن تمنع الناس من الارتفاق بأراضيها أو تمنع الناس من المتاجرة في مجال معين - على سبيل المثال لا الحصر - وبخاصة اذا ترتب على هذا الارتفاق أو المتاجرة نفع لكليهما، أو نفع للناس دون الإضرار بالدولة، فقد جاء في قضاء عمر (- رضي الله عنه - في قضية محمد بن مسلمة [1] ، احتياطٌ لمصلحة شخصين، فمن باب أولى الاحتياط لمصلحة عموم الناس.

ومن أمثلة الضرار، عندما يسمح النظام أو تطبيق النظام للجهة الحكومية حجز مستحقات مالية تفوق القيمة المختلف عليها مع المقاول، مثلًا يحجز مبلغ مائة مليون ريال بينما المختلف عليه في المشروع لا يتجاوز عشرين مليون ريال، هذه الزيادة عن العشرين مليون ريال وتساوي ثمانين مليون ريال هي المنفية في قوله (- صلى الله عليه وسلم:"ولا ضرار". وهي المخالفة لقول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"بقدر".

وأيضًا من أمثلة الضرار، إيقاف عمل لشركة قيمته تفوق قيمة المبلغ المستحق بموجب حكم قضائي، فهذه الزيادة عن المبلغ المستحق بموجب الحكم القضائي هي المنفية في قوله (- صلى الله عليه وسلم: ولا ضرار. وهي المخالفة لقول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"بقدر"أي بقدر ما أحدثوا.

و من الأمثلة على الضِرار، جزاء عدم تسديد العقوبة المالية في بعض المخالفات، فلو استحق شخص عقوبات قيمتها عشرة آلاف ريال ولم يسدد، فما مقدار العقوبة التي يصح للدولة أن توقعها عليه مقابل سيئة عدم تسديد قيمة المخالفات؟ وهل من الإضرار إغلاق ملف المخالف في الحاسب الآلي الحكومي فلا يستطيع السفر أو الاستفادة من الخدمات الحكومية كلها أو أغلبها! أليس في ذلك زيادة على الحق الذي للدولة عليه؟ وأن هذه الزيادة هي المنفية في قوله (- صلى الله عليه وسلم:"ولا ضرار"، ويشير ذلك إلى أن العقوبة المالية

(1) بتصرف. الدريني، فتحي (1429هـ) نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، دمشق: مؤسسة الرسالة، ص135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت