جزية عليه"، وكتب عدي بن أرطاة والي البصرة لعمر فقال:"فإن الناس كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج"، فجاء جواب الخليفة حازمًا، قال:"فهمت كتابك ووالله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا" [1] ، ويأتي الضرار السلبي في هذا المثال من جهتين، أولاهما من جهة عدم التوقف عن تطبيق النظام بعد انتفاء سببه، وهو صفة الذمِّية التي بموجبها تؤخذ الجزية والخراج، و ضرار ذلك في الزيادة عن المال المقابل لأداء الحق المشروع على الأشخاص والأفراد. وثانيهما من جهة عدم التحول إلى تطبيق نظام انعقد سببه، وهو صفة الإسلام التي بموجبها طرح عنهم الجزية والخراج، وضرار ذلك على الفقراء و المعوزين في المجتمع أنهم بعد أن حرموا حقوقهم فالزكاة توزع عليهم، والصدقات تعطى لهم، بعد أن دخلت في أموال أخذت من مسلمين على سبيل الجزية والخراج بغير حق، فلم تصرف في مصارف الزكاة، ولم يبقَ لهم فضل مال يتصدقون به، هذا بالإضافة إلى تحول تلك الجهات الحكومية من الهدف الأصلي للدولة وهو إصلاح الدنيا بالدين إلى هدف مبتدع وهو التحيُّل للدنيا بالدين، وذلك بتنفيذ الأحكام على عكس مقصودها، وفي ذلك إبطال لها، وإجراءات عمر بن عبدالعزيز تلك تأتي لتعيد الأمور إلى القدر المناسب للفجور الحادث."
وأيضًا من الأمثلة على الضرر السلبي في ترك سنّ أنظمة ترك إنشاء سوق للسلع متوافقة مع المعايير المالية الإسلامية، مع وجود الحاجة أو الضرر من عدم سنِّها، والتي يتحقق بوجودها مصالح عديدة، منها الحيلولة دون هجرة أموال المسلمين للمصارف الغربية والعالمية كما أن عدمها قد أدى إلى تفويت فرصة استثمار أموال في سوق المسلمين من مناطق مختلفة في العالم؛ لأجل إجراء بعض معاملات التورق والمرابحة والمتاجرة، ولا يمكن إنشاء سوق للسلع والمعادن متوافقة مع المعايير الإسلامية إذا لم يصدر فيها نظام؛ فلا توجد إلاَّ بنظام لما أنها من أعمال الحكومة وليست من أعمال الناس، فالحكومة هي المسؤولة عن استحداث التنظيمات والأنظمة [2] ؛ لذا فهذه من المصالح التي سدّ الطريق إليها بسبب الفراغ النظامي والتنظيمي؛ فيدخلها النظام والتنظيم لرفع مفسدة سدّ الطريق إلى المصلحة، لأجل ذلك يعد سنّ النظام في هذا المثال لم يدخل على المصلحة وإنما دخل على المفسدة التي أدت إلى فواتها، فهو عند التحقيق داخل لرفع مفسدة تعطيل المصلحة ليس بالإمكان تحصيلها دون نظام وتنظيم فالأصل هنا أن تُدْخَل الأنظمة لرفع مفسدة قطع طريق المصلحة ثم بعد تحقق ذلك تُدْخَل الأنظمة لدرء مفسدة قطع طريق المصلحة؛ وترك أي من ذلك يعد من التعسف السلبي في سنّ الأنظمة ومن الضرر المحدث ابتداء، فهو من الشرور
(1) الخراج، لأبي يوسف، مرجع سابق، ص:131)، والحلية، مرجع سابق، ج:5،ص:305)، 7. ... ابن الجوزي، الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن، (1331هـ) سيرة عمر بن عبدالعزيز، نسخه وصححه ووقف على طبعه محب الدين الخطيب، الطبعة الأولى، مصر: مطبعة المؤيد، ص ص 99 - 100.
(2) سبق أن صرحت الجهات المختصة بصدور قرار إنشاء سوق سعودية للسلع والمعادن متوافقة مع الشريعة الإسلامية وهي في طريقها للانتهاء من الإجراءات الرسمية والترتيبات الإدارية والاقتصادية. (الباحث)