الصفحة 59 من 74

أي مقابلة الضرر بمثله.

والأقضية والأنظمة التي تحدث في مقابل حدوث الفجور والمخالفات وعلى قدرها تعد من الضرر أو الحرج الذي يحدث في مقابل و على قدر الضرر أو الحرج الحادث، ويعد سنّ الأنظمة التي توافرت فيها تلك الصفة أمرًا مشروعًا و متوافقًا مع المقولة العمرية.

التعسف في سنّ الأنظمة على سبيل الضرار: عندما تسنّ أنظمة ابتداءً دون أن تكون في مقابل ضرر أو حرج حادث؛ فإن ذلك يعد من الضرر ابتداءً، ومن أمثلة ذلك جميع الأنظمة التي تحد من التنافس المشروع، ومنها الإجراءات الوقائية أو الانتقائية في المجال الاقتصادي والمالي، فلا يصح سنّ نظام يمنع نوعًا من أنوع الأعمال التجارية ليسمح أو ليمنح ميزة لنوع آخر دون موجب من فتح طريق المصلحة بعد أن سد مفسدة، أو درأها أو رفعها أو قلل منها.

ومن الضرار السلبي في سنّ الأنظمة ترك إلغاء نظام انتهى فيه الضرر أو الحرج الذي سُنّ النظام في مقابِلهِ، ومن أمثلته الإيجابية أن صدور نظام القضاء السعودي الجديد في العام 1428ه، والذي ألغى جميع اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي ويأتي ذلك من جهة تقدير الأقضية والسياسات بقدر الضرورة والاضطرار، فبسبب انتهاء الضرورة و الحرج الذي استدعى في السابق استحداث سياسة إنشاء تلك اللجان - ويأتي هذا المثال على قول من يقول إن الضرورة ألجأت إلى هذه اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي، على سبيل التنزّلْ، و إلا فالأصل عدمها، ولكن بقي بعضها على سبيل أن الحاجة والضرورة الداعية إلى وجودها تتناقص ولم تنته بعد، وهذا يقتضي التدرج في إلغاء العمل بهذه اللجان ومن ثم التحول إلى المحكمة المختصة في مقابل وقدر التدرج في تناقص الضرورة والحرج الداعي إلى وجودها، ودون ذلك يعد من التعسف السلبي بترك تقليل عمل تلك اللجان، و يعد من الضرر المحدث ابتداء أن يُرى ضرر حادث ثم يترك دون رفع أو درء أو تخفيف من قبل من تعين عليه وهو قادر على ذلك وهي الدولة، فيتدخل المنظم بإلغاء نظام أو سياسة كونها صارت مفضيه إلى مفسدة تتزايد مع الوقت، و يحدث هذا بالتدرج المقابل لدرجة تزايد أو تناقص المحدثات قصدًا للاحتياط للمصالح التي تتعطل ورفعا للمفاسد التي تتزايد.

ومن أمثلة الضرار السلبي المتعلق بممارسة الأنظمة ما جرى في زمن الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - الاستمرار في أخذ الجزية والخراج حتى بعد دخول الذمي في الإسلام؛ وذلك خشية أن تنقص موارد خزينة الدولة، كتب عمر إلى واليه على الكوفة، فقال:"كتبت إليَّ تسألني عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة، وتستأذني في أخذ الجزية منهم، وإنَّ الله (- عز وجل - بعث محمدًا (- صلى الله عليه وسلم - داعيًا إلى الإسلام ولم يبعثه جابيا، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة ولا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت