الصفحة 58 من 74

الأقضية والأنظمة أن تكون بمقدار كمية الضرورة و الحاجة لدرء أو رفع الفجور والشرور والمخالفات، وكما أن الضرورة تقدر بقدرها فكذلك الأنظمة التي تباح للضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها [1] ، وهو منهج القرآن الكريم في التشريع، فقد كانت الأحكام تنزّل منجَّمة تدبيرًا لحوادث وقعت على قدر حاجات من شرع لهم وما تقتضيه مصالحهم. والله (- عز وجل - يشرع للناس أحكامهم على قدر حاجاتهم و على قدر ما اقتضته مصالحهم، فثبت بذلك أن من سنن الله (- عز وجل - وحكمته في التشريع أن يكون على قدر حاجات من شرع لهم، بحيث لا يكون فيه تشريع لحوادث فرضية أو صور ذهنية، وكذلك كان التشريع عند فقهاء الصحابة (- رضي الله عنهم - للحاجة و على قدرها [2] .

وفي تنزيل تقدير الحاجات التي تقوم مقام الضرورة بقدرها من شرح قوله (- صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" [3] على مقدار الأنظمة وكميتها، بيان لميزان الاعتدال في مقابلة مقدار الأنظمة بمقدار المخالفات.

فقوله (- صلى الله عليه وسلم - لا ضرر [4] :نكرة في سياق النفي، وهي عامة لكل ضرر، لكن هذا الضرر من جهة الابتداء، و الضرر في الكلمة الأولى هو فجور ومخالفة حادثة، وأقول حادثة لعدم جواز إحداثها أو استحداثها، بمعنى أن الشخص لا يضر ابتداءً، والدولة كذلك لا تسنّ الأنظمة ابتداءً، فالأصل أن أي شخص أو جماعة أو دولة لا تضر نفسها ولا تضر غيرها بتضييق أو تعسير - كما يفعل التعسف في الأنظمة فيما تدخل عليه -، وهذه الكلمة(لا ضرر) شاملة لجميع أنواع الضرر الابتدائي قلّ أو كثر.

والكلمة الثانية: ولا ضرار: أيضًا نكرة في سياق النفي، ومعنى هذا: أن الدولة عندما تريد أن تأخذ حقك أو حقها ممن صدر منه عليك أو عليها ضرر، أو أن تقيم عليه عقوبة من العقوبات، هذه الكلمة شاملة لجميع الفروع التي يكون فيها فجور أو اعتداء على الحق بصرف النظر عن كون الاعتداء على الحق كائنًا من فرد أو بتطبيق عقوبة من العقوبات ولهذا يضم إلى ذلك قول الله سبحانه وتعالى:? {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ? وَلَئِن صَبَرْ تُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِ ينَ ?} (سورة النحل:126) ، وقال عزّ وجل: ? {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ? فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ هُ عَلَى اللَّه إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ?} (سورة الشورى:40) ، فلا يزيد الفرد أو الدولة عن الحق الذي لهما، فإذا زاد الفرد أو الدولة عن الحق الذي لهما فهذه الزيادة هي المنفية في قوله (- صلى الله عليه وسلم: ولا ضرار. فكما نفى الضرر ابتداءً بقوله"لا ضرر"فقد نفاه مقابلة بقولة"ولا ضرار"

(1) ينظر، الكاساني، البدائع، مرجع سابق (ج5،ص124) ، مجلة الأحكام العدلية، المادة 22.

(2) خلاف، عبدالوهاب (1405هـ) السلطات الثلاث في الإسلام: التشريع- القضاء- التنفيذ، الطبعة الثانية، الكويت، دار القلم للنشر والتوزيع، الصفحات: 10، 18،47).

(3) أخرجه مالك في الموطأ في الأقضية باب القضاء في المرفق، موقوفًا 2/ 745، ووصله ابن ماجه في سننه عن عبادة بن الصامت في الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/ 44.

(4) ما يلي في هذه الفقرة تصرف في شرح الشيخ عبدالله الغديان - يرحمه الله - لقاعدة الضرر يزال، عبدالله بن عبدالرحمن الغديان، توجيهات لطالب قواعد الفقه، محاضرة مسجلة، جامع الراجحي، الرياض، 21 - 11 - 1427هـ، http://liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=32283http://liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=32283 ، ... 22 ذو القعدة، 1432ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت