الصفحة 57 من 74

قال:"ادرؤوا الحدود ما استطعتم في كل شبهة فإن الوالي إذا أخطأ في العفو خير من أن يتعدى بالعقوبة" [1] ، وكان - رحمه الله - لا ينصاع لاقتراحات عماله بالنظر إلى كل شبهة مخالفة بمنظور عقابي، جاء في رده على عامله على الكوفة عندما اقترح نوعًا من تعذيب موظفي الخراج المتهمين باختلاسات، قوله:"جاءني كتابك، تذكر أن قِبَلك قوما من العمال اختانوا مالًا فهي عندهم، وتستأذنني في أن أبسط يدك عليهم، فالعجب منك استئمارك إياي في عذاب البشر كأنني جُنةٌ لك، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله" [2] ، وكان - رحمه الله - يوبخ عماله من اعتقاد أن النمط العقابي هو الأصل في إصلاح الناس، قال لوالى خرسان:"فقد بلغني كتابك، تذكر أن أهل خرسان قد ساءت رعيَّتُهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط؛ فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم والسلام" [3] ، وأصل ذلك أن الشريعة لا تشتمل على نكاية بالأمة أو الأفراد، وإنما الغاية هي تحصيل مقصود الشريعة في إصلاح عموم الأمة وخويصة الأفراد [4] .

أقضية وأنظمة بمقدار وقدر الفجور والشرور والمخالفات:

سبق بيان أن الشريعة الإسلامية أغنى الشرائع السماوية إطلاقًا من جهة حجم الأحكام (القوانين) وكميتها، وبيان أن جميع المحل الصالح لسنّ القوانين مشغول بأحكام شرعية، فمن الطبيعي والحال كذلك أن يُقتصر في سنّ الأنظمة على الحد الضروري منها، قال محمد مفتي وسامي الوكيل بلزوم الاقتصار في سنّ الأنظمة على رعاية شؤون وأعمال الحكم الضرورية للدولة دون غيرها، و على تنظيم المباحات وإقامة فروض الكفاية في مجالات مخصوصة فقط [5] . و يتفق هذا مع أن الأصل في الأنظمة أن تكون بمقدار الحاجة لا تتجاوزه كما هو المعنى المقصود بحصر الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - مقدار الأقضية على قدر الفجور في قولة:"بقدر ما"ويقصد به عدم التعسف الكمي أو النوعي في سنّ الأقضية وما تشمله من أنظمة وسياسات وقرارات، والتعسف الذي يراد الاحتراز منه حسب مقتضي هذه المقولة أنواع هي:

التعسف في كمّية الأنظمة: الأصل عدم سنّ الأنظمة إلا لضرورة أو حاجة؛ لذا فالأصل أن كمية

(1) ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري (1405هـ) سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز، تحقيق السيد الجميلي، بيروت: دار مكتبة الهلال، ص:123.

(2) الحلية (ج5،ص:257) ، وابن الجوزي 84، البورنو، مرجع سابق، (ص:192) .

(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء، مرجع سابق،،ص:242.

(4) انظر، الطاهر بن عاشور، 1978م، مرجع سابق، ص100.

(5) بتصرف، مفتي والوكيل، 1410هـ - 1990م مرجع سابق، ص ص:37 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت