الصفحة 56 من 74

يأتي ذلك ضمن إطار العمل بالاستحسان فباعتبار أن كليات الشريعة وجزئياتها معللة بمصالحها [1] ، و مثال ذلك نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي التي تنهض بدور وقائي و علاجي يهدف إلى إعادة التوازن إلى المصالح وحفظها من أي خلل [2] .

فإنه تبعا لذلك يتعين على المستفتَى في مسألة نظامية متى استبصر استبصارًا قطعيا أو ظنيا أن تطبيقَ الحكم الشرعي المعرَّف بموجب النظام على المكلف أو إعمالَ القياس، من شأنه أن تكون له نتائج على غير المعهود من سُنَنِ الشرع ومقاصده، أن يَعْدِلَ إلى التكييف الاستثنائي الذي به يتحقق المقصد الشرعي [3] من التخفيف والتيسير على الناس فيما ليس فيه مخالفة لشرع الله، وهو معنى الاستحسان:"العدول عن حكم مسألة عن مثل نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي التخفيف، ويكشف عن وجود حرج عند إلحاق تلك الجزئية بنظائرها في الحكم" [4] .

إن هذه الأنظمة تزداد حجمًا وكمًّا كلما ازداد المجتمع تقدمًا وتعقيدًا وتصنيعًا، وكلما ازداد تدخل الجهات الحكومية في حياة المواطنين، وكلما ازداد لجوء المواطنين إلى القضاء واستخدموا المحامين لطرح شكاواهم، واستيفاء حقوقهم، والعكس أيضًا صحيح، بمعنى أن حجم القوانين تقل كلما قلت العوامل والمتغيرات التي ذُكرت.

والأنظمة بجميع أنماطها، سواء العقابي، و التعويضي، و الإرضائي أو التوفيقي، و العلاجي، جميعها متى تسنّ على وفق الشريعة تكون كلها مبنية على التيسير ورفع المشقة والحرج و الاحتياط للمصالح ودرء المفاسد أو رفعها أو تقليلها، ويقدم أي منها على الآخر حسب إفضائه إلى مقصود الشريعة.

غير أن الغالب في سنّ الأنظمة في دولة الشريعة، أنه يقصد به النمط الإرضائي والتوفيقي بالنظر إلى إعادة التوازن إلى علاقة الناس بالناس والعلاجي بالنظر إلى رفع حرج والتيسير على من يطبق عليهم النظام و التعويضي بالنظر إلى المتضرر من عدم سنّ النظام، وكلٌ على قدر الإمكان وحسب الحاجة ولا يتحول إلى النمط العقابي إلا عند الضرورة.

ومن الشواهد على ذلك من سياسة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - أمره عماله،

(1) بتصرف ينظر، من باب: أن الجزء تابع للكل، وهذا معنى قول الشاطبي:"المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك فلا بد من اعتبارهما معا"، ينظر: الموافقات: 3/ 176.

(2) بتصرف. الدريني، فتحي، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، مصدر سابق، (ص:12،19 - 30،85) .

(3) بتصرف ينظر، حميتو، أبو حاتم يوسف، مرجع سابق، 2010م. 20 ذو القعدة، 1432ه.

(4) الباحسين، يعقوب عبدالوهاب (1428هـ) الاستحسان: حجيته، حقيقته، أنواعه، تطبيقاته المعاصرة، الطبعة الأولى، الرياض: مكتبة الرشد، (ص: 288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت