جاءت شريعته الكاملة لتحقق مصالح العباد، وتدرأ عنهم المفاسد وتحميهم منها، لقد قامت هذه الشريعة على رفع الحرج والمشقة، وعلى اليسر في الأمور كلها قال ابن القيّم:"إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل" [1] .
إن هذه السياسة الشرعية تفرض على المنظم والمجتهد والمفتي نسقا اجتهاديا محددا، يتمثل في اعتماد قواعد أصولية و مقاصدية خاصة بسنّ الأنظمة، منها مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، وتطبيق منظورها بذاتها ليخدم طبيعة الأنظمة ونمطها إجرائيًا وإعمالها لإصلاح الناس وفق النسق التشريعي العام الذي يتسم بسمتين رئيسيتين [2] :
السمة الوقائية: وتعني منع المكلف من أي فعل تترتب عليه آثار تخالف المقاصد الكلية أو الجزئية أو الخاصة التي تغيّاها الشارع، وذلك من خلال صورتين:
أولاهما: قواعد أصولية استقرئت من ثنايا نصوص الشرع وصارت في حكم القطعيات، والمقصود بها قواعد سد الذرائع والحيل الشرعية، والاستحسان بمجمل صوره، وما بناه الأصوليون والفقهاء من قواعد فقهية تحكم جزئيات متعددة لها مناط واحد، وإن اختلفت صورها ووقائعها، كقواعد الضرر وقواعد القصود والنيات، وقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد.
أما الصورة الثانية: فهي نظريات فقهية جمع العلماء القدامى فروعها دون نظمها تحت مسمى معين، وقام المعاصرون من الدارسين والباحثين بإعطائها مسميات تتناسب ومضامينَها ذات الصبغة الوقائية، والمقصود هنا نظريات الباعث والاحتياط، والتعسف في استعمال الحق، وهي كلها نظريات جاءت من نصوص الشريعة.
والسمة العلاجية: والصبغة العلاجية للأنظمة والسياسات هنا، لا يُتصور أنهما تقتصران فقط على المنع من الفعل عملا بالذرائع أو الحيل أو الاحتياط، بل تشمل كل تدخل من الإمام أو بمعرفته سواء للمجتهد أو للمفتي لرفع المشقة عن المكلف إذا كانت تكاليف الشرع المعرَّفة بموجب النظام حين تطبيقها في صورة معينة توقع المكلف في الحرج، وهذا يعني تقديم بقية الأنماط على النمط العقابي في الأنظمة، وقد
(1) ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، أعلام الموقعين عن رب العالمين، الطبعة الأولى، بيروت: المكتبة العصرية، 1407هـ - 1987م، 3/ 6 و 7.
(2) بتصرف ينظر، حميتو، أبو حاتم يوسف، مقتطف من أطروحة مراعاة المآل وتطبيقاته في المعاملات المالية من خلال أهم مصادر الفتوى المغربية، جامعة ابن طفيل، المملكة المغربية، رسالة الدكتوراه غير منشورة، 2010م. 20 ذو القعدة، 1432ه، http://www.feqhweb.com/vb/showthread.php?t=8662&s=c567749638a004777bce8d2aac5a8f23