الصفحة 54 من 74

وعندما ينظر للفجور ومخالفة النظام الحادثة على أنها تعدٍّ على متضرر يستحق بموجبه أن يعوَّض عن الضرر الناشئ عن مخالفة النظام؛ تكون طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع في هذه الحالة من النمط التعويضي [1] . ومن الأمثلة على ذلك المواد النظامية التي تنص على غرامة تعويضية مقابل المخالفة أو أيَّة عقوبة يستفيد منها المتضرر.

وعندما ينظر للفجور ومخالفة النظام الحادثة على أنهما مجرد خلل في التوازن القائم بين المصيب والمخطئ؛ ووفق هذا المنظور تكون وظيفة النظام إعادة التوازن إلى سابق حاله قبل المخالفة [2] ، ولكن غالبًا ما تضطر الأطراف المعنية حسب الواقع إلى حل وسط؛ لذلك تكون طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع في هذه الحالة هو النمط الاسترضائي والتوفيقي لاستعادة التوازن. ومن الأمثلة على ذلك الأنظمة المتعلقة بالتوفيق والمصالحة.

وعندما ينظر للفجور ومخالفة النظام الحادثة على أنهما مرض يجب علاجه، وأن المخطئ مريض وقع ضحية مرضه، ويعاني من قصور أدى إلى وقوعه في المخالفة، وأن النظام لابد أن تكون غايته هي علاج أسباب الخلل؛ تكون طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع في هذه الحالة هي النمط العلاجي [3] . ومن أمثلة ذلك بعض مواد الأنظمة التي تعالج قضايا الجاني الحدث صغير السن.

قد يرى بعض الباحثين أن المجتمع المعاصر في دولة الشريعة يمر بالمرحلة الانتقالية نفسها من مجتمع آلي إلى مجتمع عضوي، ومن مجتمع السمة السائدة للأقضية و الأنظمة المحدثة فيه هي الزجر والعقاب، إلى مجتمعٍ السمةُ السائدةُ للأقضية والأنظمة المحدثة فيه هي الإرضاء والعلاج، وأن هذا يقتضي استحداث المزيد من الأقضية والأنظمة على النمط العلاجي والتوفيقي مجاراة لمراحل تطور المجتمع.

ويمكن مناقشة هذا القول من جهتين، أولاهما: جهة تحول المجتمع الآلي إلى مجتمع عضوي: صحيح أن المجتمع المسلم المعاصر يمر بمرحلة انتقالية من مجتمع آلي إلى مجتمع عضوي، ولكن أي مجتمع يحتكم إلى شرع الله سيجد ثوابت شرعية لا يملك المجتمع ولا الحكومة أو ولاة الأمر تغييرها، بل إن مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"هي في الحقيقة قاعدة في مراعاة العصر والمرحلة المجتمعية التي يعيشها المسلمون؛ فهي تفسر: متى؟ ولماذا؟ و بأي مقدار؟ تتطور وتتغير الأنظمة والأقضية في المجتمع الإسلامي الذي يعيش في كنف دولة الشريعة.

وثانيهما: جهة نمط الأنظمة في دولة الشريعة: إن من رحمة الله عز وجل بنا أن هدانا لهذا الدين الذي

(1) آل سعود، النظام الاجتماعي للتقاضي، (المرجع السابق، ص ص: 5 - 12.

(2) آل سعود، المرجع نفسه، ص: 5 - 12.

(3) آل سعود المرجع السابق، ص ص: 5 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت