و يختلف إحداث الأقضية والأنظمة عن إحداث الفجور والمخالفات في كون الفجور والمخالفات الأصل فيها أن الناس يحدثونها دون علم أو فعل من الإمام أو جهد منه فهي بالنسبة للإمام تحصل دون علمه أو قصده. أما إحداث - الأقضية والأنظمة فيدل على عمل الإمام والأصل أن فعل الإمام في سنّ الأقضية والأنظمة أن يأتي لدرء ورفع ما حدث من فجور وفساد، وبذل الوسع واستشراف الأمور قبل وقوع الفساد ودرئها، فلا يصح من الإمام أن يحدث الفجور سواء مباشرة أو باستحداث أسبابه ومقدماته أو أن تترك الأنظمة والأقضية تحدث كردود أفعال لفجور ومخالفات تركت عمدًا لتتبع بأقضية وأنظمة تسنّ.
أقضية وأنظمة مقابل فجور وشرور ومخالفات:
الأقضية المحدثة تتنوع بتنوع الفجور الحادث ويقاس على ذلك القول بأن الأنظمة المحدثة تتنوع بتنوع المخالفات الحادثة وهذا بدوره يحدد نمط الأنظمة التي تسنّ [1] .
وتطبق الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع بصور مختلفة باختلاف الفجور والمخالفات الحادثة وباختلاف مقصود النظام وطبيعة النظر إلى المخالف للنظام، ومن أشهرها عند علماء اجتماع القانون أربعة أنماط هي: العقابي، و التعويضي، و الإرضائي أو التوفيقي، والعلاجي.
فعندما ينظر للفجور ومخالفة النظام الحادثة على أنها تعدي على القانون والمجتمعِ في الدرجة الأولى، وضدَّ الطرف المجني عليه في الدرجة الثانية، ومن ثمَّ تصوَّر وكأنها تجريح لمشاعر وحقوق العامة، وأنها تستدعي وتستلزم العقاب والتعذيب للخارج عن القانون؛ تكون طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع في هذه الحالة من النمط العقابي [2] . ومن الأمثلة على ذلك أنظمة العقوبات وأنظمة مكافحة الإرهاب وأنظمة الطوارئ بصفة عامة.
(1) ونمط الفجور والمخالفات الحادثة والتي توجه طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة، تتحدد جزئيًا بحسب مرحلة التطور التي يمر بها المجتمع من جهة نوع التضامن في المجتمع هل هو آلي أو عضوي، و لكل نوع أقضية وأنظمة محدثة وفق طبيعة الشرور والمخالفات الحادثة فيه؛ الأول مجتمع التضامن الآلي المبني على التشابه والتماثل في الوظائف المتكافئة وعدم التخصص، والثاني مجتمع التضامن العضوي المتحكم في المجتمعات المتطورة والمبني على التباين والتفاوت في الوظائف المتخصصة المتساندة والمتكافلة. وإذ يقع هذان النوعان من التضامن في علاقة زمنية تعاقبية، بمعنى أن النوع الأول يسبق النوع الثاني، وما يلبث حتى يتغير ويتطور دائمًا إلى النوع الثاني، وأن السمات المذكورة لكل نوع من أنواع التضامن تعد مؤشرات دقيقة وذا دلالة على طبيعة الأقضية والأنظمة المحدثة في المجتمع وعلى طبيعة العقوبات فيه: ففي مجتمعات النوع الأول في الوقت الذي تكون الأنظمة رادعة وزاجرة وتعذيبيةً للخارجين عليها، فإنها في مجتمعات النوع الثاني تكون إصلاحية، تنظر إلى الخارجين عن النظام كأنهم مرضى بحاجة إلى العلاج وليس كجناة متخلفين جِبِلِّيًا، ومستحقين للإبادة أو الإعدام، كما هو الحال في النوع الأول من المجتمعات، انظر، Baumgartner M.P. (Editor) , (1999) , the Social Organization of Law, 2nd. Edition ,USA: California: Academic Press (A division of Harcourt & Brace Company ) P . 5 - 12، وانظر، آل سعود. عبدالعزيز بن سطام (1431هـ) ، النظام الاجتماعي للتقاضي، مجلة العلوم الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد السابع عشر، شوال 1431ه، (ص:209) .