توبتها أو انعدامها، وإن هي منعت وقاومت، دل ذلك على صحة توبتها وصدقها؛ إذ لا حاجة لتعريض مسلمة للفتنة اختيارًا لها، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عن معرفة توبة الزانية:"تفسير الأصحاب - رحمهم الله - توبة الزانية بأن تراود فتمتنع، أنكره الموفق وغيره، ويحق لهم إنكاره فإن المراودة من أعظم المنكرات ولو كان الغرض منها التجربة والامتحان وهي داخلة في قوله تعالى: ? {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا ?} (الإسراء: 32) فإن المراودة أقرب الوسائل لوقوع المختبر والمختبرة في الفاحشة فإن راودها فاجر وقع الفجور أو كاد وإن راودها تقي خشي عليه وعليها من وقوع المنكر، فإن أحست أن تلك المراودة لأجل الاختبار لم يحصل بها المقصود، وليست هذه المسألة نظير من أراد معاملة شخص أو صداقته وهو يجهل حاله أن يختبره و يحصل المقصود به من غير حصول فتنة، وهذه المسألة على قولهم ليس لها نظير في الشرع فهي مضرة محضة" [1] ، ولا يقاس اختبار الزلل على اختبار الفطنة، فقد جاء اختبار فطنة اليتامى بحيل التجار وحذقهم لكي لا يخدعوا في قول الله (- عز وجل:? {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ?} (النساء:4) وهو اختبار للفطنة، والفطنة مصلحة وتعريض اليتامى للمصلحة واجب، فلا يقاس عليه اختبار الزلل الذي قد يوشك أن يفتن التائبة من الزنا، فالزلل مفسدة وتعريض التائبين لمفسدة العودة عن التوبة يحرم، ولا تأتي بمثله الشريعة، وهذا المعنى الذي يمنع من إحداث مقدمات و أسباب الشرور هو مما تقتضيه اللغة في مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور".
ويختلف إحداث الأقضية والأنظمة عن حدوث الفجور والمخالفات في كون الفجور و المخالفات تأتي بما ينقض ويخالف القديم، قال الزبيديُّ:"ومحدثاتُ الأمورِ: ما ابتدعه أهلُ الأهواءِ من الأشياءِ التي كانَ السلفُ الصَّالحُ على غيرِها، وفي الحديثِ:"إيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ [2] ، جمعُ مُحدَثةٍ - بالفتح: هو ما لم يكن معروفًا في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ" [3] ."
بينما إحداث الإمام أقضية وأنظمة وتنظيمات وسياسات إنما تأتي لتجديد العمل بما يُصْلِح الناس وليس فيه ما يخالف كتابًا أو سنّة، وهي كما قال الزمخشري:"وأحدثَ الشيءَ واستحدثَه .... واستحدثَ الأميرُ قريةً وقناةً" [4] .
(1) السعدي، عبدالرحمن بن ناصر (1411هـ) ، المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي: الفتاوى السعدية، مركز صالح بن صالح الثقافي، عنيزة،، (ص: 354 - 355) .
(2) أخرجه أبو داود في"سننه"، كتاب السنة، باب لزوم السنة رقم (4607) ، والترمذي في"جامعه"، كتاب العلم، باب ماجاء في الأخذ بالسنة رقم (2676) ، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 126، 127) ، وابن ماجة في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين رقم (42) . قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» .
(3) تاج العروس (مرجع سابق) 5/ 212.
(4) أساس البلاغة (مرجع سابق) 115.