والحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ومن سلّم الله قلبه من الحسد والغل على الآخرين فقد أُعطي خيرًا عظيمًا، ومن أعظم الأحاديث في ذلك ما رواه الإمام أحمد (1) بسند صحيح من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّه قال: كنَّا جلوسًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنَّة ) )فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوءه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبَّيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، فطلع ذلك الرجلُ مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيتُ (2) أبي، فأقسمتُ أنْ لا أدخلَ عليه ثلاثًا، فإنْ رأيتَ أنْ تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت. قال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنَّه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يَرَهُ يقوم من الليل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارّ (3) من الليل، وتقلّبَ على فراشه ذكر الله - عز وجل -، وكبّر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضتِ الثلاث ليالٍ، وكدتُ أنْ أحقر عمله، قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجر ثَمَّ، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرات:
(1) في مسنده 3 / 166.
(2) لاحيتُ: الملاحاة، المباغضة والمنازعة.
(3) هب واستيقظ.