قال تعالى: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا طَلَبتَهُ مِنْهُمْ مِنَ الإِتيَانِ بكِتَابٍ أَهْدَى مِنَ التَّورَاةِ والقُرآنِ ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا الحَقَّ فاعْلَمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَيَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، واللهُ تَعَالى لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ، وَلا يُوفِّقُهُمْ إِلى اتِّبَاعِ سَبِيلِ الحَقِّ والرَّشَادِ .
إن الحق في هذا القرآن لبين ; وإن حجة هذا الدين لواضحة , فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده . وإنهما لطريقان لا ثالث لهما:إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى , وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم . وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق . ولا حجة من غموض في العقيدة , أو ضعف في الحجة , أو نقص في الدليل . كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون .
(فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) . . وهكذا جزما وقطعا . كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها . . إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين . متجنون لا حجة لهم ولامعذرة , متبعون للهوى , معرضون عن الحق الواضح: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ?) . . وهم في هذا ظالمون باغون: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . . إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن , ولم يحيطوا علما بهذا الدين . فما هو إلا أن يصل إليهم , ويعرض عليهم , حتى تقوم الحجة , وينقطع الجدل , وتسقط المعذرة . فهو بذاته واضح واضح , لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه , ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه , ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله . (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم , وعرضه عليهم , فلم يعد لهم من حجة ولا دليل . . (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) . .
وقال تعالى: { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} (29) سورة الروم
وَلكِنَّ الذِينَ ظَلمُوا أَنْفُسَهَمْ بكُفْرِهِمْ باللهِ ، قَدِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ جَهْلًا مِنهُمْ بحَقِّ اللهِ عَلَيهِمْ ، وَعَظَمَتهِ ، فَأَشْرَكُوا الأَصْنَامَ والأَوْثَانَ مَعَهُ في العِبَادَةِ ، وَلا حُجَّةَ وَلا دَليلَ لَهُم في عَبَادَتِها ، فَمَنْ ذَا الذِي يَسَْتَطِيعُ أَنْ يَهْدِيَ بَشَرًا قَدْ خَلَقَ اللهُ فيهِ الاسْتِعْدَادَ لِلضَّلاَلَةِ؟ وَهؤلاءِ الظَّالِمُونَ لأنفُسِهِمْ ليسَ لًَهُمْ مَنْ يَنْصُرهُمْ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وقدَرِهِ ، وَلا مَنْ يُجِيرُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ وَعِقَابِهِ .
والهوى لا ضابط له ولا مقياس . إنما هو شهوة النفس المتقلبة ونزوتها المضطربة , ورغباتها ومخاوفها . وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق ولا تقف عند حد ولا تزن بميزان . وهو الضلال الذي لا يرجى عمه هدى , والشرود الذي لا ترجى معه أوبة: (فمن يهدي من أضل الله ?) نتيجة لاتباعه هواه ? (وما لهم من ناصرين) يمنعونهم من سوء المصير .
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23) سورة الجاثية
أَفَلا تَرَى إِلى حَالِ هذا الذِي اتَّبعَ هواهُ ، وَأَتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاها ، فَلا يَهوَى شَيْئًا إِلا فَعَلَه ، لاَ يَخَافُ رَبًّا ، وَلا يَخشَى عِقَابًا ، وَأَضَلَّهُ اللهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ يَسْلكُ سَبيلَ الرَّشَادِ ، لأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّه لا يَهْتَدِي وَلَو جَاءَتْهُ كُلُّ آيةٍ .
وَخَتَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى سَمْعِهِ فَأَصْبَحَ لاَ يَتَأَثَّر بما يُتلى عَلَيهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ ، وَخَتَم عَلَى قَلبِهِ فَلَم يَعُدْ يُبصِرُ حُجَجَ اللهِ وآيَاتِهِ ، وَلَمْ يَعُدْ يَنْتَفِعُ بِها . فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أن يُوَفِّقَ مِثْلَ هذَا الضَّالِّ ، الخَاضِعِ لهوَاهُ ، إِلى الهُدَى ، وَإِصَابَةِ الحقِّ إِنْ لم يَهدِهِ اللهُ ، أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ وَتُدْرِكُونَ؟
والتعبير القرآني المبدع يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت , وتتبع الهوى المتقلب وحين تتعبد هواها , وتخضع له , وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها . وتقيمه إلهًا قاهرًا لها , مستوليًا عليها , تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول . يرسم هذه الصورة ويعجِّب منها في استنكار شديد:
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ?) . . أفرأيته ? إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب ! وهو يستحق من الله أن يضله , فلا يتداركه برحمة الهدى . فما أبقى في قلبه مكانًا للهدى وهو يتعبد هواه المريض !
(وأضله الله على علم) . . على علم من الله باستحقاقه للضلالة . أو على علم منه بالحق , لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهًا يطاع . وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عماه:
(وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) . . فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور ; وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى . وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم .
(فمن يهديه من بعد الله ?) . . والهدى هدى الله . وما من أحد يملك لأحد هدى أو ضلالة . فذلك من شأن الله , الذي لا يشاركه فيه أحد , حتى رسله المختارون .
(أفلا تذكرون ?) . . ومن تذكر صحا وتنبه , وتخلص من ربقة الهوى , وعاد إلى النهج الثابت الواضح , الذي لا يضل سالكوه . .
ــــــــــــ