قال تعالى: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (50) سورة الأنعام
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ الآيَاتِ تَعْجِيزًا لِجَهْلِهْم بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ ، وَلِظَنِّهِمْ أنَّ النَّبِيَّ لاَ يَكُونُ نَبِيًّا إلاّ إذَا أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ: إنِّي لاَ أَقُولُ لَكُمْ إنِّي أَمْلِكُ خَزَائِنَ اللهِ ، وَلاَ أَتَصَرَّفُ بِهَا ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ اللهِ ، فَعِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ وَلا أَطَّلِعُ مِنْهُ إلاَّ عَلَى مَا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ رَبِّي ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلاَ أَدَّعِي أنِّي مَلَكٌ ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوحِي إِليهِ اللهُ ، وَقَدْ شَرَّفَنِي سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ ، وَإِنَّنِي أَتَّبِعُ مَا يُوحِيهِ اللهُ إلَيَّ ، وَلاَ أَخْرُجُ عَنْهُ مُطْلَقًا . قُلْ لَهُمْ: هَلْ يَسْتَوِي مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وَهُدِيَ إلَيهِ ، مَعَ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَلَمْ يَنْقَدْ إِلَيهِ؟ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ فِي أنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ؟
لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم !
ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم , وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة , بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور . .
ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من"النبوءات"الزائفة , يدعيها"متنبئون"ويصدقها مخدوعون . . ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب , والاتصال بالجن والأرواح , وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ , أو بالدعوات والصلوات , أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة , وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .
"فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة"بالأرباب !"لا تطيع الكاهن , ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه , وترشده بالعلامات والأحلام , ولا تلبي سائر الدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان , ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات , ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره , ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها , ولعله لايعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه , ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب"مانتي"""ويسمون المفسر:"بروفيت"""أى المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون , إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب , ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها , والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ; ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة , لأنه قد يعتري صاحبه في البرية , كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد".
"وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار , ودراويش الطرق الصوفية , لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود , واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد , وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب ."
"جاء في كتاب صموئيل الأول:"
أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . ."فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون , وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح الله على رسل شاول , فتنبأوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه , وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل , وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل".
"وجاء في كتاب صموئيل كذلك:"
". . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة , وأمامهم رباب ودف وناي وعود , وهم يتنبأون , فيحل عليهم روح الرب , فتتنبأ معهم , وتتحول إلى رجل آخر ."
"وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني:"إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع:هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا , فلنذهب إلى الأردن"."
"وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع , كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل:إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج". . .
وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي . وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور ; ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ; وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة . . ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول . . ومنها هذا التقرير: (قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?) . .
إنه صلى الله عليه وسلم يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة . وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء . . لا ثراء . ولا ادعاء . . إنها عقيدة يحملها رسول , لا يملك إلا هداية الله , تنير له الطريق !
ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم . . إنه لا يقعد على خزائن الله , ليغدق منها على من يتبعه , ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ; ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكا . . إنما هو بشر رسول ; وإنما هي هذه العقيدة وحدها , في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة . .
إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة , وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة , وإلى الله . فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف . . من أرادها لذاتها فهو بها حقيق , وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة . ومن أرادها سلعة في سوق المنافع , فهو لا يدرك طبيعتها , ولا يعرف قيمتها , وهي لا تمنحه زادا , ولا غناء . .
لذلك كله يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدمها للناس هكذا , عاطلة من كل زخرف , لأنها غنية عن كل زخرف ; وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال , ولا إلى وجاهة دنيا , ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى . إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى .
قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . . ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة , ويخرجون من الظلام والعماء: (قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?) . .
ثم . . إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر , والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ?
سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي , وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ; وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي , فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف , وسوء الرؤية , ونقص الرؤية , وسوء التقدير , وسوء التدبير .
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة , وحادثة بعد حادثة , وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة , ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما , ويضع على أساسها نظاما , ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب , ويغير الأحكام , ويبدل النظام , ويضطرب بين الفعل وردود الفعل , ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة , وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ; وجعل التجارب والتقلبات في"الأشياء"وفي"المادة"وفي"الأجهزة"وفي"الآلات". . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح !
ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات , لا بد لها من ضابط , يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها , ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ; فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ; ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا , ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة , وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوم به تجربته وحكمه , وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي , باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر , ولم يقل بها الله سبحانه !
والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة , ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري , ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل , وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة , إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي , وهو النور والبصيرة . والذي يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ; أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله ; إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم , هي أبأس حياة يشقى فيها"الإنسان"مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ; ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ; ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي , وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس , ويضع له القواعد , التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ; كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !
والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير , وبترك وحي الله وهداه أعمى , واقتران الحديث عن تلقي الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي وحده , بالإشارة إلى العمى والبصر , بالسؤال التحضيضي على التفكير: إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل:هل يستوي الأعمى والبصير:أفلا تتفكرون ? . .
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق , أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب , والحض عليه منهج قرآني ; ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي , الذي يمضي معه مبصرا في النور ; لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى , بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق , إنما يتحرك في مجال واسع جدا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله , الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ; كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث , ومجالات الحياة جميعا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج , وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات ! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .
وقال تعالى: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } (24) سورة هود
وَضَرََبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلًا لِحَالِ المُؤْمِنِينَ ، أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالجَنَّةِ ، وَلِحَالِ الكَافِرِينَ ، أَهْلِ الشَّقَاءِ وَالعَذَابِ فَقَالَ: إِنَّ الكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ وَالعَذَابِ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الأَعْمَى وَالأَصَمِّ الذِي لاَ يُبْصِرُ وَلاَ يَسْمَعُ ، وَلاَ يَهْتَدِي إِلَى خَيْرٍ . وَمَثَلُ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ كَمَثَلِ البَصِيرِ السَّمِيعِ الذِي يَتْبَعُ الخَيْرَ ، وَيَتْرُكُ الشَّرَّ ، وَهُوَ سَمِيعٌ لِلْحُجَّةِ فَلا يَرُوجُ عَلَيْهِ البَاطِلُ . فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَانِ حَالًا؟ كَلاَّ إِنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ ، أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا بَيْنَ الهُدَى وَالضَّلاَلِ مِنَ التَّبَايُنِ ، وَفِيمَا بَيْنَ البَاطِلِ وَالحَقِّ مِنَ الاخْتِلاَفِ وَالتَّمَايُزِ فَتَعْتَبِرُوا وَتَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الهُدَى وَالإِيمَانِ ، وَتَبْتَعِدُوا عَنْ طَرِيقِ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ . ؟
إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء , وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب . فما بال حين يكون هذا الافتراء على الله ?
(أولئك يعرضون على ربهم , ويقول الأشهاد:هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) .
إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة: (هؤلاء) . . (هؤلاء الذين كذبوا) . . وعلى من ? (على ربهم) لا على أحد آخر ! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد , تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة:
(ألا لعنة الله على الظالمين) . .
يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون , أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة ! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد: (ألا لعنة الله على الظالمين) . .
والظالمون هم المشركون . وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل الله .
(ويبغونها عوجا) . .
فلا يريدون الاستقامة ولا الخطة المستقيمة , إنما يريدونها عوجا والتواء وانحرافا . يريدون الطريق أو يريدون الحياة أويريدون الأمور . . كلها بمعنى . . (وهم بالآخرة هم كافرون) ويكرر (هم) مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير .
والذين يشركون بالله - سبحانه - وهم الظالمون - إنما يريدون الحياة كلها عوجا حين يعدلون عن استقامة الإسلام . وما تنتج الدينونة لغير الله - سبحانه - إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس , وفي كل جانب من جوانب الحياة .
إن عبودية الناس لغير الله سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد الله أن يقيمها على الكرامة . وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد الله أن يقيمها على القسط والعدل . وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر , والنفخ فيها دائما لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي . ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي , فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب , وهم مقعد مقيم ينفخون فيها ليل نهار , ويسلطون عليها الأضواء والأنظار , ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح , حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم . . فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء ?!
(أولئك) . . البعداء المبعدون الملعونون .
(لم يكونوا معجزين في الأرض) . .فلم يكن أمرهم معجزا لله , ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا . . (وما كان لهم من دون الله من أولياء) . .
ينصرونهم أو يمنعونهم من الله . إنما تركهم لعذاب الآخرة , ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: (يضاعف لهم العذاب) . .
فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر ; كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) . . (أولئك الذين خسروا أنفسهم) . .
وهي أفدح الخسارة , فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئا مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا , لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الارتفاع عن الدينونة لغير الله من العبيد . كما تتمثل في الارتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع - مع المتاع بها - إلى ما هو أرقى وأسمى . وذلك حين كفروا بالآخرة , وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه . وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم , وبهذا العذاب الذي ينتظرهم . .
(وضل عنهم ما كانوا يفترون) . . غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على الله . فقد تبدد وذهب وضاع .
(لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) . . الذين لا تعدل خسارتهم خسارة . وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى . وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح , المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وأخبتوا إلى ربهم , أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) . .
والإخبات الطمأنينة والاستقرار والثقة والتسليم . . وهي تصور حال المؤمن مع ربه , وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به , وهدوء نفسه وسكون قلبه , وأمنه واستقراره ورضاه:
(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ?) . .
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين . والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع - والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها , وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل , ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس - والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع , فيهديه بصره وسمعه .
(هل يستويان مثلا ?) . . . سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة
(أفلا تذكرون) . .
فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر . فهي بديهية لا تقتضي التفكير . .
وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير . . أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير . .
وقال تعالى: { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (16) سورة الرعد
يُقَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الآلَهُ الوَاحِدُ ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَكَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، وَهُوَ رَبُّهَا وَمُدَبِّرُهَا ، وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هَؤُلاَءِ ، مَعَ اعْتِرَافِهِمْ هَذا ، اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولِيَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ ، وَهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَلاَ لِعَابِدِيهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا . فَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ عَبَدَ اللهُ وَحْدَهُ ، وَمَنْ عَبَدَ هَذِهِ الآلِهَةِ مَعَ اللهِ ، وَأَشْرَكَهَا فِي العِبَادَةِ مَعَهُ؟ وَكَمَا لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ ، وَكَمَا لاَ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي مَنْ عَبَدَ اللهُ وَهُو خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ ، وَمَنْ أَشْرَكَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ آلِهَةً لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا .