قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} (12) سورة محمد
وَفي يَوْمِ القِيَامةِ يُدخِلُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بهِ ، وَبِكُتَبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَاتِ ، جَنَّاتٍ تَجرِي في أرْضِها الأنهَارُ جَزاءً لَهُم عَلَى إيمَانِهِمْ . أمَّا الكَافِرُونَ الذِين كَفَرُوا باللهِ وبِكُتُبهِ ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ ، فَإِنَّهُم يَتَمَتَّعُونَ بما في هذهِ الدُّنيا مِنْ مَتَاعٍ زَائِلٍ ، وَيَأكُلُونَ فِيها كَالأنعَامِ ، غَيرَ مُفَكِّرِينَ في عَواقِب أمُورِهِمْ ، وَلا مُعْتَبِرِينَ بِما أقَامَهُ اللهُ لِلْعِبَادِ منَ الأدِلَّةِ على وُجُودِهِ ووَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالى ، وَسَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ فَتَكُونُ مَسْكَنَهُمْ وَمَأوَاهُمْ .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون في الأرض أحيانا من أطيب المتاع ; ولكن الموازنة هنا إنما تقوم بين النصيب الحقيقي الضخم للمؤمنين - وهو نصيبهم في الجنة - والنصيب الكلي للكافرين الذي لا نصيب لهم سواه .
ونصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار . فالله هو الذي يدخلهم . وهو إذن نصيب كريم علوي رفيع . وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاء على الإيمان والصلاح , متناسقا في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح .
ونصيب الذين كفروا متاع وأكل (كما تأكل الأنعام) . . وهو تصوير زري , يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه ; ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره , والمتاع الحيواني الغليظ . بلا تذوق , وبلا تعفف عن جميل أو قبيح . . إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة , ولا من اختيار , ولا حارس عليه من تقوى , ولا رادع عنه من ضمير .
والحيوانية تتحقق في المتاع والأكل , ولو كان هناك ذوق مرهف للطعوم , وحس مدرب في اختيار صنوف المتاع , كما يتفق هذا لكثير من الناشئين في بيوت النعمة والثراء . وليس هذا هو المقصود . إنما المقصود هو حساسية الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته , والذي له قيم خاصة للحياة ; فهو يختار الطيب عند الله . عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة , ولا يضعفها هتاف اللذة . ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام , وفرصة متاع ; بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى فيما يباح وما لا يباح !
إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان:أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة , المتلقاة من الله خالق الحياة . فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه , وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله .
ــــــــــــ