فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 37

3.لا يسمعون ولا يرون :

قال تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (179) سورة الأعراف

لَقَدْ خَلَقْنَا كَثيرًا مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ لِيَكُونُوا وَقُودًا لِجَهَنََّمَ ، لأنَّهُمْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ أهْلِهَا ، وَلاَ يَنْتَفِعُونَ بِشَيءٍ مِنْ جَوَارِحِهِمْ التِي جَعَلَها اللهُ سَبِيلًا لِلْهِدَايَةِ ، فَلاَ يَسْمَعُونَ الحَقَّ بِآذَانِهِم ، وَلا يَفْقَهُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ ، وَلا يَرَوْنَ النُّورَ بِعُيُونِهِمْ ، فَهُمْ كَالبَهَائِمِ وَالأنْعَامِ السَّارِحَةِ ، لاَ تَنْتَفِعُ بِحَوَاسِّهَا إلا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهَا وَبَقَائِهَا ، أوْ هُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ وَأكْثَرُ ضَلالًا ، لأنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها إذا أنِسَتْ بِهِ ، وَإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلاَمَهُ ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ . ولأنَّ الدَّوَابَّ تَفْعَلُ مَا خُلِقَتْ لَهُ ، إمَّا بِطَبْعِهَا وَإمَّا بِتَسْخِيرِهَا . أمَّا الكَافِرُونَ فِإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللهَ وَيُوَحِّدُ هُ ، فَكَفَرُوا بِاللهِ ، وَأشْرَكُوا بِهِ فَهُمُ الغَافِلُونَ .

ثم بيان لطبيعة الهدى وطبيعة الكفر . يكشف عن أن الكفر تعطلٌ في أجهزة الفطرة يحول دون تلقي هدى الله , وينتهي بالخسارة المطلقة: (من يهد الله فهو المهتدي , ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون . ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس , لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها , ولهم آذان لا يسمعون بها . أولئك كالأنعام بل هم أضل . أولئك هم الغافلون) .

إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني , هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال . . وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها . ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى . ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل . . ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به , وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره .

كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر اللّه بهداية من يجاهد للهدى . وأن يجري قدر اللّه كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه اللّه من عقل وما أعطاه من أجهزه الرؤية والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون , وفي رسالات الرسل , الموحية بالهدى .

وفي كل الحالات تتحقق مشيئة اللّه ولا يتحقق سواها , ويقع ما يقع بقدر اللّه لا بقوة سواه . وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن اللّه شاءه هكذا . وما كان شيء ليقع إلا أن يوقعه قدر اللّه . فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور , كما أنه ليس هناك قوة إلا قدر اللّه ينشىء الأحداث . . وفي إطار هذه الحقيقة الكبيرة يتحرك الإنسان بنفسه , ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضًا . .

وهذا هو التصور الإسلامي الذي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة , حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل , وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخر , على سبيل الاحتجاج والجدل !

وفي هذا النص الذي يواجهنا هنا: (من يهد اللّه فهو المهتدي , ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) .

يقرر أن من يهديه الله - وفق سنته التي صورناها في الفقرة السابقة - فهو المهتدي حقًا , الواصل يقينًا , الذي يعرف الطريق , ويسير على الصراط , ويصل إلى الفلاح في الآخرة . . وأن الذي يضله الله - وفق سنته تلك - فهو الخاسر الذي خسر كل شيء ولم يربح شيئًا . . مهما ملك , ومهما أخذ ; فكل ذلك هباء أو هواء ! وإنه لكذلك إذا نظرنا إليه من زاوية أن هذا الضال قد خسر نفسه . وماذا يأخذ وماذا يكسب من خسر نفسه ?!

ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية: ولقد ذرانا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس . لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها , ولهم آذان لا يسمعون بها . . أولئك كالأنعام , بل هم أضل . . أولئك هم الغافلون . . إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم ! وهم مهيأون لها ! فما بالهم كذلك ?

هنالك اعتباران:

الاعتبار الأول:أنه مكشوف لعلم الله الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم . . وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم . فعلم الله سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث .

والاعتبار الثاني:أن هذا العلم الأزلي - الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث - ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم . إنما هم كما تنص الآية:

(لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها , ولهم آذان لا يسمعون بها) . .

فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا - ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة - وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية . ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة . لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها . . لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون: (أولئك كالأنعام , بل هم أضل , أولئك هم الغافلون) . .

والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة ; والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد الله . . أولئك كالأنعام بل هم أضل . . فللأنعام استعدادات فطرية تهديها . أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة . فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا . إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها ; ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها ; ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها . . فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية . . ثم هم يكونون من ذرء جهنم ! يجري بهم قدر الله إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك , وجعل قانون جزائهم هذا . فكانوا - كما هم في علم الله القديم - حصب جهنم منذ كانوا !

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت