فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 37

9.وجوب التعلق بالمنهج لا بالأشخاص :

قال تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة آل عمران

لَمَّا انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أحُدٍ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ، أُشِيعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قُتِلَ ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ فِي صُفُوفِ المُسْلِمِينَ ، وَتَأَخُّرٌ عَنِ القِتَالِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيةَ ، وَفِيهَا يُذَكِّرُ المُسْلِمِينَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا بَشَرٌ قَدْ سَبَقَتُهُ رُسُلٌ ، مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ، ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ ، حِينَ سَمَاعِ إِشَاعَةِ قَتْلِ الرَّسُولِ ، ضَعْفَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ: أَفَإِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ ، أوْ قُتِلَ ، تَرَاجَعْتُمْ وَنَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟ وَمَنْ يَتَرَاجَعُ وَيَنْكُصْ عَلَى عَقِبَيْهِ ، فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئًا ، لأنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالَمِينَ ، أمّا الذِينَ امْتَثَلُوا لأمْرِ اللهِ ، وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الشَّاكِرُونَ ، وَسَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

إن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ليس إلا رسولا . سبقته الرسل . وقد مات الرسل . ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) سيموت كما مات الرسل قبله . . هذه حقيقة أولية بسيطة . فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ?

إن محمدا رسول من عند الله , جاء ليبلغ كلمة الله . والله باق لا يموت , وكلمته باقية لا تموت . . وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل . . وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول . وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة !

إن البشر إلى فناء , والعقيدة إلى بقاء , ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس , من الرسل والدعاة على مدار التاريخ . . والمسلم الذي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا . الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة . وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك ! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد . . وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم , وبكل مشاعرهم , حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره صلى الله عليه وسلم . . هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب , مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده , باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت .

إن الدعوة أقدم من الداعية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) . .

قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن , العميقة في منابت التاريخ , المبتدئة مع البشرية , تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق .

وهي أكبر من الداعية , وأبقى من الداعية . فدعاتها يجيئون ويذهبون , وتبقى هي على الأجيال والقرون , ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الأول , الذي أرسل بها الرسل , وهو باق - سبحانه - يتوجه إليه المؤمنون . . وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه , ويرتد عن هدى الله . والله حي لا يموت: ومن ثم هذا الاستنكار , وهذا التهديد , وهذا البيان المنير:

(أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين) . . وفي التعبير تصوير حي للارتداد: (انقلبتم على أعقابكم) . . (ومن ينقلب على عقبيه) . فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة , كأنه منظر مشهود . والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة , ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف:إن محمدا قد قتل , فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين , وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين , وانتهى أمر الجهاد للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا , فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب , كارتدادهم في المعركة على الأعقاب ! وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس - رضي الله عنه - فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم , وقالوا له:إن محمدا قد مات:"فما تصنعون بالحياة من بعده ? فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم"

(ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) . . فإنما هو الخاسر , الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق . . وانقلابه لن يضر الله شيئا . فالله غني عن الناس وعن إيمانهم . ولكنه - رحمة منه بالعباد - شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم , ولخيرهم هم . وما يتنكبه متنكب حتى يلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله . وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق , وتعوج الأمور كلها , ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة , وتستقيم في ظله النفوس , وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها , والسلام مع الكون الذي تعيش فيه . (وسيجزي الله الشاكرين) . . الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج , فيشكرونها باتباع المنهج , ويشكرونها بالثناء على الله , ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم , ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة , وهو أكبر وأبقى . .

وكأنما أراد الله - سبحانه - بهذه الحادثة , وبهذه الآية , أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بينهم . وأن يصلهم مباشرة بالنبع . النبع الذي لم يفجره محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جاء فقط ليومىء إليه , ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق , كما أومأ إليه من قبله من الرسل , ودعوا القافلة إلى الارتواء منه !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم , فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى . العروة التي لم يعقدها محمد صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر , ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة , وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة , وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط . حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة , التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو يقتل , فهم إنما بايعوا الله . وهم أمام الله مسؤولون !

وكأنما كان الله - سبحانه - يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى - حين تقع - وهو - سبحانه - يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم . فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب , وأن يصلهم به هو , وبدعوته الباقية , قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول .

ولقد أصيبوا - حين وقعت بالفعل - بالدهش والذهول . حتى لقد وقف عمر - رضي الله عنه - شاهرا سيفه , يهدد به من يقول:إن محمدا قد مات !

ولم يثبت إلا أبو بكر , الموصول القلب بصاحبه , وبقدر الله فيه , الاتصال المباشر الوثيق . وكانت هذه الآية - حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين - هي النداء الإلهي المسموع , فإذا هم يثوبون ويرجعون !

الفهرس العام

? ... تعريف العمى ... 4

الباب الأول ... 6

صفات العميان ... 6

1.... لا يتذكرون: ... 6

2.... سكرت أبصارهم: ... 8

3.... لا يسمعون ولا يرون: ... 14

4.... العمى والصمم: ... 17

5.... الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام: ... 19

6.... الاستكبار في الأرض واستحباب العمى على الهدى: ... 20

7.... عدم اهتدائهم بالقرآن: ... 24

8.... مقلدون لمن سبقهم تقليدا أعمى: ... 30

9.... أضل من الأنعام: ... 36

10.... اتباع الهوى: ... 40

11.... قصر النظر: ... 43

12.... لا يرجعون إلى الحق: ... 47

13.... لا يعقلون: ... 49

14.... العمى هو عمى القلوب لا الأبصار ... 50

15.... اتباع الشهوات: ... 52

16.... لا يؤمنون بالآخرة: ... 54

17.... التعلق بالحياة الدنيا: ... 59

18.... لا يؤمنون إلا بالخوارق: ... 61

قصة السحرة: ... 61

وكذلك في قصة أصحاب الأخدود: ... 65

19.... السخرية من المؤمنين اتهامهم بالأكاذيب: ... 67

20.... البطش بالمؤمنين: ... 72

الباب الثاني ... 74

نتائج العمى ... 74

1-عدم الاهتداء للحق: ... 74

2-عدم الاستواء بين الأعمى والبصير: ... 78

3-عدم الاغترار بتقلبهم في الحياة الدنيا: ... 89

4-الهلاك في الدارين والخسارة: ... 92

5-عذاب النار: ... 97

6-حشرهم عميان: ... 99

7-من كان في الدنيا أعمى عن طريق الحق فهو يوم القيامة أعمى وأضلُّ سبيلا: ... 102

الباب الثالث ... 103

? ... علاج العمى ... 103

1.... عدم قبول أي كلام بلا دليل ولا برهان: ... 103

2.... وجوب التفكر والتدبر في خلق السموات والأرض: ... 110

3.... تحريم التقليد الأعمى: ... 126

4.... أن يكونوا من أولي الألباب: ... 131

5.... أن يكونوا من عباد الرحمن: ... 136

6.... وجوب الإتباع على بصيرة: ... 144

7.... وجوب الإتباع بإحسان: ... 147

8.... وجوب الاتباع على هدى: ... 152

9.... وجوب التعلق بالمنهج لا بالأشخاص: ... 157

الفهرس العام ... 160

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت