فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 37

20.البطش بالمؤمنين:

قال تعالى: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (72) سورة الحج

وَإِذَا قُرِئَتْ عَلَى هَؤُلاَءِ المًُشْرِكِينَ ، العَابِدِينَ غَيْرَ اللهِ ، آيَاتُ القرآنِ البَيِّنَاتُ ، وَذُكِّرُوا بِمَا فِيهَا مِنْ حُجَج وَبَرَاهِينَ ، وَدَلاَئلِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيتِهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، تَتَبَدَّلُ مَلاَمِحُ وُجُوهِهِمْ ، وَتَثُورُ نُفُوسُهم وَيَهُمُّونَ بِالبَطْشِ بالذين يَقْرَؤُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ ، وَيَذُكِّرونَهُمْ بِهَا ، وَيَكَادُونَ يُبَادِرُونَهم بالضَّرْبِ والشَّتْمِ ( يَسْطُونَ بِهِمْ ) .

فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ: إِنَّ النَّارَ التِي أَعَدَّها اللهُ للكَافِرِينَ لِيُذِّبَهُمْ فِيهَا هِيَ أَشَدَّ وَأَقْسَى وَأَعْظَمُ مِمَّا تُخَوِّفُونَ بِهِ أولِياءَ اللهِ المُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا؛ وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلًا وَمُقَامًا وَمَصِيرًا ، يَوْمَ القِيَامَةِ ، للذين كَفَرُوا .

وهؤلاء إنما يعبدون آلهة من الأصنام والأوثان , أو من الناس أو الشيطان . . وهذه كلها لم ينزل الله بها قوة من عنده , فهي محرومة من القوة . وهم لا يعبدونها عن علم ولا دليل يقتنعون به , إنما هو الوهم والخرافة . وما لهم من نصير يلجأون إليه وقد حرموا من نصرة الله العزيز القدير .

وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا , وما ليس لهم به علم . لا يستمعون لدعوة الحق , ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول . إنما تأخذهم العزة بالإثم , ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام الله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر , يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) . .

إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة , ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عندما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل . وذلك شأن الطغاة دائما يشتجر في نفوسهم العتو , وتهيج فيهم روح البطش , ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ !

ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد: (قل:أفأنبئكم بشر من ذلكم ?) بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه , ومن ذلك البطش الذي تهمون به . . (النار) . . وهي الرد المناسب للبطش والمنكر (وبئس المصير) . .

الباب الثاني

نتائج العمى

1-عدم الاهتداء للحق:

قال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} (57) سورة الكهف

وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْمًا مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا ، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ ، وَالكُفْرِ ، وَالمَعَاصِي ( نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) ، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا .

وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكَرُوا لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ ( أَكْنَّةً ) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَثِقَلًا لِكَيْلاَ يَسْمَعُوهُ . وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَدًا

فهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله ونذره لا يرجى منهم أن يفقهوا هذا القرآن , ولا أن ينتفعوا به . لذلك جعل الله على قلوبهم أغطية تحول دون فقهه , وجعل في آذانهم كالصمم فلا يستمعون إليه . وقدر عليهم الضلال - بسبب استهزائهم وإعراضهم - فلن يهتدوا إذن أبدا . فللهدى قلوب متفتحة مستعدة للتلقي .

وقال تعالى: { وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} (43) سورة يونس

وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُ إِلَيْكَ نَظَرَهُ ، وَلَكِنَّهُ لاَ يُبْصِرُ مَا آتَاكَ اللهُ مِنْ نُورِ الإِيمَانِ ، وَالخُلُقِ العَظِيمِ ، وَالدَّلاَلَةِ القَاطِعَةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ . وَكَمَا أَنَّكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ العُمْيِ بِدَلاَئِلَ البَصَرِ الحِسِّيَّةِ ، كَذَلِكَ فِإِنَّكَ لاَ تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ بِالدَّلاَئِلِ العَقْلِيَّةِ ، إِذَا كَانُوا فَاقِدِينَ لِنِعْمَةِ البَصِيرَةِ التِي تُدْرِكُها .

إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا , وينظرون ولا يميزون ما نظروا . . إن هؤلاء لكثير , في كل زمان وفي كل مكان . والرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك لهم شيئًا . لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم , فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها . والرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمع الصم , ولا يبصر العمي . فذلك من شأن الله وحده عز وجل . والله سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة . وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها , فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي , ولقوا جزاءهم عدلًا , ولم يظلمهم الله شيئًا: (إن الله لا يظلم الناس شيئًا , ولكن الناس أنفسهم يظلمون) . .

وفي هذه الآيات الأخيرة تسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجده في نفسه من ضيق بهذا التكذيب لما معه من الحق , وبهذا العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام . وذلك بما يقرره له ربه من أن إباءهم الهدى لم يكن عن تقصير منه في الجهد . ولا قصور فيما معه من الحق . ولكن هؤلاء كالصم العمي . وما يفتح الآذان والعيون إلا الله . فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة والداعية داخل في اختصاص الله .

وفيها كذلك تحديد حاسم لطبيعة العبودية ومجالها - حتى ولو تمثلت في شخص رسول الله . فهو عبد من عباد الله لا قدرة له خارج مجال العبودية . والأمر كله لله .

وقال تعالى: { وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} (81) سورة النمل

وَإِنَّك لاَ تَستَطِيع أَنْ تَهدِيَ مَنْ أَعْمَاهُمُ اللهُ عَنِ الهُدَى والرَّشَادِ فَجَعَلَ عَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً تَمنَعُهُمْ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا جِئْتَ بِهِ نَظَرًا يُوصِلُهُمْ إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ ، وَسُلُوكِ سَبيلِهِ ، وَإِنَّما يَستَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَميعٌ بَصِيرٌ ، يَنْتَفِعُ بِسَمِعِهِ وَبَصَرِهِ ، وَقَدْ خَضَعَ وَخَشَعَ للهِ ، وَوَعَى مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ عَلى أَلسِنَةِ الرُّسُلِ ، عَليهِم السَّلاَمُ ، فَهؤُلاءِ هُمْ مُسلِمُونَ لأَمرِ رَبِّهِمْ .

والتعبير القرآني البديع يرسم صورة حية متحركة لحالة نفسية غير محسوسة . حالة جمود القلب , وخمود الروح , وبلادة الحس , وهمود الشعور . فيخرجهم مرة في صورة الموتى , والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو , وهم لا يسمعون الدعاء , لأن الموتى لا يشعرون ! ويخرجهم مرة في هيئة الصم مدبرين عن الداعي , لأنهم لا يسمعون ! ويخرجهم مرة في صورة العمي يمضون في عماهم ; لا يرون الهادي لأنهم لا يبصرون ! وتتراءى هذه الصور المجسمة المتحركة , فتمثل المعنى وتعمقه في الشعور !

وفي مقابل الموتى والعمي والصم يقف المؤمنون . فهم الأحياء , وهم السامعون , وهم المبصرون .

(إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) . . إنما تسمع الذين تهيأت قلوبهم لتلقي آيات الله , بالحياة والسمع والبصر . وآية الحياة الشعور . وآية السمع والبصر الانتفاع بالمسموع والمنظور . والمؤمنون ينتفعون بحياتهم وسمعهم وأبصارهم . وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن يسمعهم , فيدلهم على آيات الله , فيستسلمون لتوهم ولحظتهم (فهم مسلمون) .

إن الإسلام بسيط وواضح وقريب إلى الفطرة السليمة ; فما يكاد القلب السليم يعرفه , حتى يستسلم له , فلا يشاق فيه . وهكذا يصور القرآن تلك القلوب , القابلة للهدى , المستعدة للاستماع , التي لا تجادل ولا تماري بمجرد أن يدعوها الرسول فيصلها بآيات الله , فتؤمن لها وتستجيب .

وقال تعالى: { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (40) سورة الزخرف

وهؤلاءِ الكُفَّارُ المُعَانِدُونَ هُمْ كَالعُمِيِ لانْغِلاَقِ قُلُوبِهِمْ عنِ الهُدَى ، وإِنَّكَ لاَ تَسْتَطيعُ هِدَايَتَهُمْ ، وَلا صَرْفَهُمْ عَنْ كُفْرِهِمْ إِلى الإِيمانِ ، فَإَنْتَ لاَ تستطيعُ أَنْ تُسْمِعَ أَحَدًا سَمَاعًا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ قلبُهُ قَدْ تَهَيَّأَ للإِيمَانِ بآيَاتِ اللهِ ، فَهُوَ وَحْدَهُ الذي إِذا سَمِعَ كِتَابَ اللهِ تَدَبَّرَهُ ، وَفَهِمَهُ ، وعمِلَ بِمَا فيهِ بِخُشُوعٍ وانقِيادٍ لأَمرِ اللهِ تَعَالى .

وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانًا لطبيعة الهدى والضلال , ورجعهما إلى مشيئة الله وتقديره وحده ; وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة , ومجال القدرة الإلهية الطليقة ; وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره , وفي موضع من ألطف مواضعه: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) . . وهم ليسوا صمًا ولا عميًا , ولكنهم كالصم والعمي في الضلال , وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى , والإشارة إلى دلائله . ووظيفة الرسول أن يُسمع من يَسمع , وأن يهدي من يبصر . فإذا هم عطلوا جوارحهم , وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم فما للرسول إلى هداهم من سبيل ; ولا عليه من ضلالهم , فقد قام بواجبه الذي يطيق .

والله يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون . أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون) . .

والأمر لا يخرج عن هذين الحالين . فإذا ذهب الله بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه . وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به , فالله قادر على تحقيق النذير , وهم ليسوا له بمعجزين . ومرد الأمر إلى مشيئة الله وقدرته في الحالين , وهو صاحب الدعوة . وما الرسول إلا رسول .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت