7-من كان في الدنيا أعمى عن طريق الحق فهو يوم القيامة أعمى وأضلُّ سبيلا:
قال تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (72) سورة الإسراء
وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ أَعْمَى القَلْبِ ، لاَ يُبْصِرُ سَبِيلَ الهُدَى وَالرَّشَادِ ، وَلاَ يَتَأَمَّلُ حُجَجَ اللهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ، فَهُوَ كَذَلِكَ أَعْمَى فِي الآخِرَةِ لاَ يَرَى طَرِيقَ الخَيْرِ وَالنَّجَاةِ ، وَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ أَشَدَّ ضَلاَلًا مِنْهُ فِي الدُّنْيَا .
وهو مشهد يصور الخلائق محشورة . وكل جماعة تنادي بعنوانها باسم المنهج الذي اتبعته , أو الرسول الذي اقتدت به , أو الإمام الذي ائتمت به في الحياة الدنيا . تنادي ليسلم لها كتاب عملها وجزائها في الدار الآخرة . . فمن أوتي كتابه بيمينه فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاه , ويوفى أجره لا ينقص منه شيئا ولو قدر الخيط الذي يتوسط النواة ! ومن عمي في الدنيا عن دلائل الهدى فهو في الآخرة أعمى عن طريق الخير . وأشد ضلالا . وجزاؤه معروف . ولكن السياق يرسمه في المشهد المزدحم الهائل , أعمى ضالا يتخبط , لا يجد من يهديه ولا ما يهتدي به , ويدعه كذلك لا يقرر في شأنه أمرا , لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب هو وحده جزاء مرهوب ; يؤثر في القلوب !
الباب الثالث
? علاج العمى
1.عدم قبول أي كلام بلا دليل ولا برهان:
قال تعالى: { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) } [البقرة/111، 112]
ادَّعَى اليَهُودُ ، وَادَّعَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إَلاَ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَتِهِمْ هُمْ . فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: تِلْكَ أَشْيَاءُ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللهِ بِغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ وَلاَ حُجَّةٌ عَلَى مَا يَقُولُونَ . فَإِنْ كَانَ لِدَعْوَاهُمْ هذِهِ أَسَاسٌ فَلْيأتُوا بِبُرْهَانٍ عَلَيها . وَبِمَا أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ هَذِهِ فَهُمْ إِذًا كَاذِبُونَ مُتَخَرِّصُونَ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دَعْوَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى تِلْكَ فَيَقُولُ لَهُمْ: بَلَى سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ الذِين يُسْلِمُونَ وُجُوهَهُمْ للهِ . وَيَنْقَادُونَ لأَمْرِهِ مُطِيعِينَ مُخْلِصِينَ ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ فُهؤُلاءِ يُوَفِّيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ ، وَيُذْهِبُ عَنْهُمُ الخَوْفَ وَالحَزَنَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأَمْرِ ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنيا . فَرَحْمَةُ اللهِ لاَ يَخْتَصُّ بِهَا شَعْبٌ دُونَ شَعْبٍ ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لَهَا ، وَأَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ ، كَانَ مِنْ أَهْلِهَا .
وهذه حكاية قوليهم مزدوجة . وإلا فقد كانت اليهود تقول:لن يدخل الجنة إلا من كان هودا - أي من يهود - وكانت النصارى تقول:لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى . .
وهذه القولة كتلك , لا تستند إلى دليل , سوى الادعاء العريض ! ومن ثم يلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل:
(قل:هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) . .
وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد . إنما هو الإسلام والإحسان , لا الاسم والعنوان:
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن , فله أجره عند ربه , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . .
ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) . . فقال: (بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . .
إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة . طرفيها المتقابلين: (من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) . . فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة , في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة .
و (من أسلم وجهه لله وهو محسن) . . فأخلص ذاته كلها لله , ووجه مشاعره كلها إليه , وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة . . (من أسلم وجهه لله) . . هنا تبرز سمة الإسلام الأولى:إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم . الاستسلام المعنوي والتسليم العملي . ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: (وهو محسن) . . فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك , بين العقيدة والعمل , بين الإيمان القلبي والإحسان العملي . . بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها ; وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها ; وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله:
فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .
الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم . . والأمن الموفور لا يساوره خوف , والسرور الفائض لا يمسه حزن . . وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعا . فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة !
ولقد كانوا - يهودا ونصارى - يطلقون تلك الدعوى العريضة , بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء ; وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها:
(وقالت اليهود ليست النصارى على شيء , وقالت النصارى ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم , فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) . .
والذين لا يعلمون هم الأميون العرب الذين لم يكن لهم كتاب ; وكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من الفرقة ومن التقاذف بالإتهام , ومن التمسك بخرافات وأساطير لا ترتفع كثيرا على خرافات العرب وأساطيرهم في الشرك ونسبة الأبناء - أو البنات - لله سبحانه ; فكانوا يزهدون في دين اليهود ودين النصارى ويقولون:إنهم ليسوا على شيء !
والقرآن يسجل على الجميع ما يقوله بعضهم في بعض ; عقب تفنيد دعوى اليهود والنصارى في ملكية الجنة ! ثم يدع أمر الخلاف بينهم إلى الله: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) .
فهو الحكم العدل , وإليه تصير الأمور . . وهذه الإحالة إلى حكم الله هي وحدها المجدية في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق , ولا يعتمدون على دليل , بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة , وأنهم وحدهم المهديون !
وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (24) سورة الأنبياء
هل اتخذ هؤلاء المشركون مِن غير الله آلهة تنفع وتضر وتحيي وتميت؟ قل - أيها الرسول - لهم: هاتوا ما لديكم من البرهان على ما اتخذتموه آلهة، فليس في القرآن الذي جئتُ به ولا في الكتب السابقة دليل على ما ذهبتم إليه، وما أشركوا إلا جهلا وتقليدًا، فهم معرضون عن الحق منكرون له.
فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم وهناك ذكر من سبقه من الرسل . وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء . فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد . فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون ، ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل: وهي إحدى مقولات الجاهلية السخيفة:
{ وقالوا: اتخذ الرحمن ولدًا . سبحانه! بل عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون . يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشيته مشفقون . ومن يقل منهم: إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم . كذلك نجزي الظالمين } . .
ودعوى البنوة لله سبحانه دعوى اتخذت لها عدة صور في الجاهليات المختلفة . فقد عرفت عند مشركي العرب في صورة بنوة الملائكة لله . وعند مشركي اليهود في صورة بنوة العزيز لله . وعند مشركي النصارى في صورة بنوة المسيح لله . . وكلها من انحرافات الجاهلية في شتى الصور والعصور .
والمفهوم أن الذي يعنيه السياق هنا هو دعوى العرب في بنوة الملائكة . وهو يرد عليهم ببيان طبيعة الملائكة . فهم ليسوا بنات لله كما يزعمون { بل عباد مكرمون } عند الله . لا يقترحون عليه شيئًا تأدبًا وطاعة وإجلالًا . إنما يعملون بأمره لا يناقشون . وعلم الله بهم محيط . ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضاه الله ورضي أن يقبل الشفاعة فيه . وهم بطبيعتهم خائفون لله مشفقون من خشيته على قربهم وطهارتهم وطاعتهم التي لا استثناء فيها ولا انحراف عنها . وهم لا يدعون الألوهية قطعًا . ولو ادعوها جدلًا لكان جزاؤهم جزاء من يدعي الألوهية كائنًا من كان ، وهو جهنم . فذلك جزاء الظالمين الذين يدعون هذه الدعوى الظالمة لكل حق ، ولكل أحد ، ولكل شيء في هذا الوجود .
وكذلك تبدو دعوى المشركين في صورتها هذه واهية مستنكرة مستبعدة ، لا يدعيها أحد . ولو ادعاها لذاق جزاءها الأليم!
وكذلك يلمس الوجدان بمشهد الملائكة طائعين لله ، مشفقين من خشيته . بينما المشركون يتطاولون ويدعون!
وقال تعالى: { أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (64) سورة النمل
وَاسْأَلْهُمْ هَلِ الذينَ تُشْرِكُونَهُمْ بالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ خيرٌ أَمِ اللهُ الذي يَبْدَأُ الخَلْقَ ، بِقُدْرَتِهِ وَسُلطَانِهِ ، وَيَبتَدِعُهُ عَلى غيرِ مِثَالٍ سَبَقَ ، ثُمَّ يُفْنِيهِ إِذا شَاءَ مَرَّةً أُخْرَى ، وَهُوَ الذِي يَرزُقُكُمْ بِإِنزالِ المَطرِ مِنَ السَّماءِ فَيُخرجُ لكُم منَ الأَرضِ زُرُوعًا وَثِمارًا ونَبَاتَاتٍ ، وثِمَارًا ونَبَاتَاتٍ ، تَنْتَفِعُ بِها الأَنْعَامُ والمَخلُوقَاتُ والبَشَرُ ، فَهلْ إٍِلهٌ آخرُ مَعَ اللهِ فَعَلَ هذا؟ أَمْ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؟ فإِذا ادَّعيُتُمْ أَنَّ آلِهَةً أُخْرى فَهَاُوا بُرْهَانَكُم عَلَى صِحَّةِ مَا تَقُولُونَ مِنْ وُجُودِ هذِهِ الآلِهَةِ الأُخْرَى التِي تَستَطيعُ أَنْ تَخلُقَ وَتَرْزُقَ؟
وبدء الخلق حقيقة واقعة لا يملك أحد إنكارها , ولا يمكن أحدا تعليلها بغير وجود الله ووحدانيته . وجوده لأن وجود هذا الكون ملجىء للإقرار بوجوده ; وقد باءت بالفشل المنطقي كل محاولة لتعليل وجود هذا الكون على هذا النحو الذي يظهر فيه التدبير والقصد بغير الإقرار بوجود الله . ووحدانيته لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته ; فعليها آثار التقدير الواحد , والتدبير الواحد ; وفيها من التناسق المطلق ما يجزم بالإرادة الواحدة المنشئة للناموس الواحد .
فأما إعادة الخلق فهذه التي كانوا يجادلون فيها ويمارون . ولكن الإقرار ببدء الخلق على هذا النحو الذي يظهر فيه التقدير والتدبير والقصد والتنسيق ملجىء كذلك للتصديق بإعادة الخلق , ليلقوا جزاءهم الحق على أعمالهم في دار الفناء , التي لا يتم فيها الجزاء الحق على الأعمال وإن كان يتم فيها أحيانا بعض الجزاء . فهذا التنسيق الواضح في خلقة الكون يقتضي أن يتم تمامه بالتنسيق المطلق بين العمل والجزاء . وهذا لا يتم في الحياة الدنيا . فلا بد إذن من التصديق بحياة أخرى يتحقق فيها التناسق والكمال . . أما لماذا لم يتم في هذه الأرض ذلك التنسيق المطلق بين العمل والجزاء ? فذلك متروك لحكمة صاحب الخلق والتدبير . وهو سؤال لا يجوز توجيهه لأن الصانع أعلم بصنعته . وسر الصنعة عند الصانع . وهو غيب من غيبه الذي لم يطلع عليه أحدا !
ومن هذا التلازم بين الإقرار بمبدىء الحياة والإقرار بمعيدها يسألهم ذلك السؤال: أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ? . . (أإله مع الله ?) . .
والرزق من السماء والأرض متصل بالبدء والإعادة سواء . ورزق العباد من الأرض يتمثل في صور شتى أظهرها النبات والحيوان , والماء والهواء , للطعام والشراب والاستنشاق ; ومنها كنوز الأرض من معادن وفلزات ; وكنوز البحر من طعام وزينة . ومنها القوى العجيبة من مغناطيسة وكهرباء , وقوى أخرى لا يعلهما بعد إلا الله ; ويكشف عن شيء منها لعباده آنا بعد آن .
وأما رزقهم من السماء فلهم منه في الحياة الدنيا:الضوء والحرارة والمطر وسائر ما ييسره الله لهم من القوى والطاقات . ولهم منه في الآخرة عطاء الله الذي يقسمه لهم - وهو من السماء بمدلولها المعنوي , الذي يتردد كثيرا في القرآن والسنة ; وهو معنى الارتفاع والاستعلاء .
وقد ذكر رزقهم من السماء والأرض بعد ذكر البدء والإعادة , لأن رزق السماء والأرض له علاقة بالبدء والإعادة فعلاقة رزق الأرض بالبدء معروفة فهو الذي يعيش عليه العباد . وعلاقته بالإعادة أن الناس يجزون في الآخرة على عملهم وتصرفهم في هذا الرزق الذي أعطوه في الدنيا . . وعلاقة رزق السماء بالبدء واضحة . فهو في الدنيا للحياة , وهو في الآخرة للجزاء . . وهكذا تبدو دقة التناسق في السياق القرآني العجيب .
والبدء والإعادة حقيقة والرزق من السماء والأرض حقيقة . ولكنهم يغفلون عن هذه الحقائق , فيردهم القرآن إليها في تحد وإفحام:
(أإله مع الله ?) . . (قل:هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) . .
وإنهم ليعجزون عن البرهان , كما يعجز عنه من يحاوله حتى الأن . وهذه طريقة القرآن في الجدل عن العقيدة . يستخدم مشاهد الكون وحقائق النفس ; فيجعل الكون كله إطارا للمنطق الذي يأخذ به القلوب ; ويوقظ به الفظرة ويجلوها لتحكم منطقها الواضح الواصل البسيط ; ويستجيش به المشاعر والوجدانات بما هو مركوز فيها من الحقائق التي تغشيها الغفلة والنسيان , ويحجبها الجحود والكفران . . ويصل بهذا المنطق إلى تقرير الحقائق العميقة الثابتة في تصميم الكون وأغوار النفس ; والتي لا تقبل المراء الذي يقود إليه المنطق الذهني البارد , الذي انتقلت عدواه إلينا من المنطق الإغريقي , وفشا فيما يسمى علم التوحيد , أو علم الكلام !
وقال تعالى: { وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (75) سورة القصص
وَيومَ القِيامَةِ يَنْزِعُ اللهُ تَعَالى مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَاهِدًا عَلَيها ، هُوَ نَبيُّها ، فَيشْهَدُ عَلَيها بما أَجَابَتهُ بهِ أُمَّتُهُ حينَ دَعَاها إِلى اللهِ ، وأَبلَغَها رَسَالاَتِ رَبِّهِ ، ويَقُولُ اللهُ تَعَالى لِلمُخَالِفينَ مِنْهُم: هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ حُجَّةٍ وَبُرهَانٍ على صِحَّةِ ما ادَّعيتُمُوهُ مِنْ أَنَّ للهِ شُرَكَاءَ . وَحِينئذٍ يَعلَمُونَ أَنَّهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ، وَلا حَقَّ غَيرُهُ ، فَلا يَنطِقُونَ ، ولا يُجِيبُونَ بِشَيءٍ عَنْ سُؤالِ الرَّبِّ العَظيمِ ، وَيَتَلاشَى باطِلُهُمْ ، وَمَا كَانُوا يَدْعُونَهُ مِنْ دُون اللهِ .
وتصوير يوم النداء , وما فيه من سؤال عن الشركاء , قد سبق في جولة ماضية . فهو يعاد هنا لتوكيده وتثبيته بمناسبة المشهد الجديد الذي يعرض هنا . مشهد نزع شهيد من كل أمة . وهو نبيها الذي يشهد بما أجابته وما استقبلت به رسالته . والنزع حركة شديدة , والمقصود إقامته وإبرازه وإفراده من بينهم ليشهده قومه جميعا وليشهد قومه جميعا . وفي مواجهة هذا الشاهد يطلب منهم برهانهم على ما اعتقدوا وما فعلوا . وليس لديهم برهان ; ولا سبيل لهم يومئذ إلى المكابرة: (فعلموا أن الحق لله) . . الحق كله خالصا لا شبهة فيه ولا ريبة .
(وضل عنهم ما كانوا يفترون) . . من شرك ومن شركاء , فما هو بواجدهم وما هم بواجديه ! في وقت حاجتهم إليه في موقف الجدل والبرهان !
بهذا تنتهي التعقيبات على قصة موسى وفرعون . وقد طوفت بالنفوس والقلوب في تلك الآفاق والعوالم والأحداث والمشاهد وردتها من الدنيا إلى الآخرة , ومن الآخرة إلى الدنيا . وطوقت بها في جنبات الكون وفي أغوار النفس , وفي مصارع الغابرين , وفي سنن الكون والحياة . متناسقة كلها مع محور السورة الأصيل . ومع القصتين الرئيسيتين في السورة:قصة موسى وفرعون . وقصة قارون . وقد مضت الأولى . فلنستعرض الثانية بعد تلك التعقيبات وهذه الجولات .
ــــــــــــ