فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 37

سلهم - وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة الله وإرادته - رضي أم كره: (من رب السماوات والأرض ?) . . وهو سؤال لا ليجيبوا عنه , فقد أجاب السياق من قبل . إنما ليسمعوا الجواب ملفوظا وقد رأوه مشهودا: قل:الله . . ثم سلهم: (أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ?) . . سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء . سلهم والقضية واضحة , والفرق بين الحق والباطل واضح:وضوح الفارق بين الأعمى والبصير , وبين الظلمات والنور . وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين ; فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض . وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين , فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين .

أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله , خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله . فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك , فلم يدروا أيها من خلق الله وأيها من خلق الشركاء ? فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك , في اتخاذ الشركاء , فلهم من صفات الله تلك القدرة على الخلق , التي بها يستحق المعبود العبادة ; وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه !

وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق الله , ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئا , وما هي بخالقة شيئا , إنما هي مخلوقة . وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة . وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير . .

والتعقيب على هذا التهكم اللاذع , حيث لا معارضة ولا جدال , بعد هذا السؤال:

(قل:الله خالق كل شيء . وهو الواحد القهار) . . فهي الوحدانية في الخلق , وهي الوحدانية في القهر - أقصى درجات السلطان - وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعا وكرها لله ; وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء . . وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع . . فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول , إلا أن يكون أعمى مطموسا يعيش في الظلمات , حتى يأخذه الهلاك ?!

وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء . بين (خوفا وطمعا) وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال - و (الثقال) هنا , بعد إشارتها إلى الماء , تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف - وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته . وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع . وبين السماوات والأرض , وسجود من فيهن طوعا وكرها . وبين الشخوص والظلال . وبين الغدو والآصال . وبين الأعمى والبصير . وبين الظلمات والنور . وبين الخالق القاهر والشركاء الذين لا يخلقون شيئا , ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا . . . وهكذا يمضي السياق على نهجه في دقة ملحوظة ولألاء باهر وتنسيق عجيب .

وقال تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ} (58) سورة غافر

وَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى الذِي لاَ يُبْصِرُ شَيئًا ، مَعَ البَصِيرِ الذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ ، بَلْ هُنَاكَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ كَبِيرٌ ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ الأَبْرَارُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، مَعَ الفُجَّارِ الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ ، وَاجْتَرَحُوا السَّيئَاتِ ، وَعَصَواُ رَبَّهُمْ ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِهِ ، فَمَا أَقَلَّ تَذَكُّرُكُمْ حُجَجَ اللهِ ، وَمَا أَقَلَّ اعْتِبَارَكُمْ وَاتِّعَاظَكُمْ بِهَا ، وَلَوْ تَذَكَّرْتُمْ وَاعْتَبَرْتُمْ لَعَرَفْتُمْ خَطَأ مَا أَنْتُمْ فِيهِ .

فالبصير يرى ويعلم ; ويعرف قدره وقيمته , ولا يتطاول , ولا ينتفخ ولا يتكبر لأنه يرى ويبصر . والأعمى لا يرى ولا يعرف مكانه , ولا نسبته إلى ما حوله , فيخطىء تقدير نفسه وتقدير ما يحيط به , ويتخبط هنا وهنالك من سوء التقدير . . وكذلك لا يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء . إن أولئك أبصروا وعرفوا فهم يحسنون التقدير .

فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)

وهذا عمي وجهل فهو يسيء . . يسيء كل شيء . يسيء إلى نفسه , ويسيء إلى الناس . ويسيء قبل كل شيء إدراك قيمته وقيمة ما حوله . ويخطىء في قياس نفسه إلى ما حوله . فهو أعمى . . والعمى عمى القلوب !

(قليلًا ما تتذكرون) . . ولو تذكرنا لعرفنا . فالأمر واضح قريب . لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والتذكير . .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت