الصفحة 33 من 515

، فشأنهم تأسيس (1) قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع من الأدلّة الأربعة (2) : الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس على حسب تلك القواعد من غير تقليد لأحد، لا في الفروع، ولا في الأصول (3) ، وهي الطبقة العليا من طبقات الاجتهاد، وحال السلف متفاوتة في تلك الطبقة: كالأئمة السِتّة المذكورة.

و (4) الطبقة الثانية

طبقةُ المجتهدين في المذهب كتلاميذ أصحاب الطبقة الأولى: كأبي يوسف ومحمّد لأبي حنيفة، وكالمُزَنيّ (5) والبويطي (6) (7) للشافِعِيّ، وعلى هذا القياس غيرهم، فمسلكهم استخراجُ الأحكام من (8) الأدلّة (9) المذكورة على مقتضى القواعد التي قررَّها أساتيذهم، (8فإنّهم وإن(10) خالفوهم (11) في بعض أحكامِ الفروع (12) (13)

(1) في ط: تأسس.

(2) في خ زيادة: وهي.

(3) في خ: لا من الفروع ولا من الأصول.

(4) ساقطة من ط.

(5) وهو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المصري المُزَنِي، أبو إبراهيم، نسبةً إلى مزينة بنت كلب، قال الشافعي: المُزَني ناصر مذهبي، (ت264هـ) . ينظر: (( العبر ) ) (2: 28) . (( تهذيب الأسماء واللغات ) ) (2: 285) . (( طبقات الشيرازي ) ) (ص109) .

(6) وهو يوسف بن يحيى القُرَشِي البُويْطيّ، أبو يعقوب، نسبةً إلى بُويْط، وهي قريةٌ من صعيد مصر الأدنى، قال الشافعي: ليس أحدٌ أحقَّ بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحدٌ من أصحابي أعلم منه، قال الأسنوي: كان خليفةَ الشافعي في حلقته، وكان متقشفًا، كثير القراءة. (ت231هـ) . ينظر: (( طبقات الأسنوي ) ) (1: 22-23) . (( طبقات ابن هداية الله ) ) (ص16-19) .

(7) في ط: البريطي.

(8) في خ: عن.

(9) في خ: الدلالة.

(10) في خ: فإن.

(11) في خ: خالفهم.

(12) في خ: من الفروع.

(13) فليت شعري ما معنى قوله: إنّ أبا يوسف ومحمّد وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في الأحكام لكنَّهم يقلِّدونَه في قواعد الأصول، ما الذي يريد من الأصول؟

فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب الفقه: فهي قواعد عقليَّة وضوابطَ برهانية يعرفها المرءُ من حيث إنه ذو عقل، وصاحب فكر ونظر، سواءٌ كان مجتهدًا أو غير مجتهد، ولا تعلُّقَ لها بالاجتهاد قطّ، وشأن الأئمةِ الثلاثةِ أرفعُ وأجلُّ من أن لا يعرفوها كما هو اللازمُ من تقليدِ غيرهم فيها، فحاشاهم ثمَّ حاشاهم عن هذه النقيصة.

وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال قولهم أبو حنيفة أبو يوسف بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة هو أبو يوسف ليس إلا، وقولهم: أبو يوسف أبو حنيفة بمعنى أن أبا يوسف بلغ الدرجة القصوى من الفقاهة ولم يقصر عنها، والقصر على كلا التقديرين إفرادي، وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهورُ الأمر ظاهر الفضل، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدَّمه أحدٌ في زمانه، وكان على النهاية في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وهو أول مَن وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وقال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف وخيف عليه فعاده أبو حنيفة فلمَّا خرج من عنده قال: إن يمت هذا الفتى، فإنه أعلم من على الأرض.

وكذلك محمد بن الحسن قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه، وقال الربيع بن سليمان كتب إليه الشافعي، وقد طلب منه كتبًا فأخَّرَه فكتب إليه:

قل للذي لم تر عيـ

ـن مَن رآه مثلَه

حتى كأن مَن رآ

ه قد رأى من قبله

العلم ينهى أهله

أن يمنعوه أهله

لعله يبذله

لأهله لعلّه

فأنفذ إليه الكتب، وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل من أين لك المسائل الدقيقة؟ قال من كتب محمد بن الحسن، وقال الحسن بن أبي مالك لم يكن أبو يوسف يدقِّق هذه التدقيق، وقال عيسى بن أبان: هو أفقه من أبي يوسف، وقد قال عبد الرحمن بن خلدون المالكي في (( مقدمته ) ) (ص314) : إن الشافعيَّ رحلَ إلى العراق، ولقيَ أصحابَ الإمام أبي حنيفة وأخذَ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب، وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث فاختص بمذهب. انتهى.

ألا ترى أنه لَمَّا ادعَّى بعضُ الشافعية ترجُّح القولَ بمفهوم الصفة على القول بنفيه بكون الشافعي قائلًا به مع سلامة طبعه، واستقامة فهمه، وغزارة علمه، وصحّة النقل عنه؛ لكثرة أتباعِه ردَّه ابنُ الهُمام وآخرون بأن هذه الكمالات كلُّها متحقِّقة في محمد بن الحسن مع تقدِّم زمانه وعلو شأنه وهو قائل بنفيه.

وأما زفر فقد قال فيه أبو حنيفة: هذا إمام من أئمة المسلمين وإنه أقيس أصحابي. وقال المُزَني: هو أحدُّهم قياسًا. وكفى بذلك كشهادة له.

ولكلِّ واحد منهم أصولٌ مختصّة به تفرَّدوا بها عن أبي حنيفة وخالفوه فيها، ومن ذلك أن الأصلَ في تخفيف النجاسة تعارضُ الأدلة عند أبي حنيفة، واختلاف الأئمة عندهما، بل قال الغَزَاليُّ: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، ونقل النَّوَوِيُّ في كتابه (( تهذيب الأسماء واللغات ) ) (2: 285) عن أبي المعالي الجويني: إن كلَّ ما اختارَه المُزَني أرى أنه تخريجَه ملحقٌ بالمذهب، فإنّه لا يخالف أقوالَ الشافعي لا كأبي يوسف ومحمد، فإنَّهما يخالفان أصول صاحبِهما.

وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري ابن جرير في عداد الفقهاء، وقال: إنما هو من حفاظ الحديث، وذلك مشهور، وقال ابن خلدون (ص314) : وأما أحمد بن حنبل فمقلِّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وقال (ص320) : إن الحنفية أهل البحث والنظر، وأما المالكية فليسوا بأهل نظر. انتهى.

فكيف يكون هو من المجتهدين في الشرع دون أبي يوسف ومحمد وزفر ضراغم غابات الفقه وليوث غياض النظر، غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ وفرط إجلالهم لمحلِّه ورعايتهم لحقِّه تشمَّروا على تنويه شأنه، وتوغَّلوا في الانتصار والاحتجاج لأقواله، وروايتها للناس، ونثلها لهم وردهم إليها، والافتاء عند وقوع الحوادث بها، تجرَّودوا لتحقيق فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها، وتمهيد قواعد محكمة، ومقاييس متقنة يستفاد بها الأحكام، واستنباط قوانين صحيحة، وطرائق قويمة يتعرَّفُ بها المعاني في تضاعيف الكلام، وأجروا ذلك في تصحيح مذهبه، وبيانه لمن يتمسّك به لاعتقادهم أنه أعلم وأورع وأحقُّ للاقتداء به والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي على ما قال مسعر بن كدام: مَن جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن فرط على نفسه في الاحتياط. انتهى.

ومقامُه في الفقه مقام لا يُلْحَق شهدَ له بذلك أهل جلدته وخصوصًا مالك والشافعي، ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين كالائمة الثلاثة والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثِّها في الناس والاحتجاج لها بالنصّ والقياس، لكان كلُّ ذلك مذهبًا منفردًا عن مذهب الإمام أبي حنيفة مخالفًا له.

هذا وإن أراد منه الأدلة الأربعة وأصول الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الأخذ عنها والاستنباط منها فلا سبيل إلى ذلك؛ لأن أصولَ الشريعة مستند كلِّ الأئمة وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصوَّر مخالفة غيره له فيها.

فإن قيل: لعلَّ مرادَه أنه يلقدون أبا حنيفة في كون قولِ الصحابيِّ والمراسيل حجّة دون الاستصحاب والمصالح المرسلة، وأمثال ذلك.

قلت: هذا ليس من التقليد في شيء، بل إنّما وافق رأيهم في ذلك رأيه، وقامت الحجّة عندهم كما قامت عنده، ألا ترى أنّ مالكًا لا يلزمه تقليدُ أبي حنيفة من قوله بحجية المراسيل، ولا الشافعي في القول بنفي الحجية عن المصالح المرسلة، ولا تقليد بعضهم لبعض من الاتفاق في كون الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة، فإنّه إنّما أنكرَ حجيّة الإجماع بعضُ المبتدعة، وحجيةَ القياس داودُ الظاهري وغيرُه من الشذوذ. ينظر: (( حسن التقاضي ) ) (ص85-89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت