الصفحة 64 من 133

إن من أهم أسباب رد الدعاء على صاحبه سوء حال الداعي فالكثير منا لا يدعو الله ولا يلجأ ولا يستغيث ولا يستنصر إلا في الشدة والضراء وعند الرخاء والسرور ننسى الله ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة )

هذا يونس بن متّى نبي الله يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت فهو في ظلمة جوف الحوت في ظلمة جوف البحر في ظلمة الليل, في ظلمات ثلاث, فلا أحد يعلم مكانه, ولا أحد يسمع نداءه, ولكن يسمع نداءه من لا يخفي عليه الكلام, ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان, فدعا وقال وهو على هذه الحال: )لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (1) (

فسمعت الملائكة دعائه, فقالت: صوت معروف في أرض غريبة, هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.

فيجئ الجواب الإلهي له: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) (2) . أتاه الجواب بالنجاة (فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (3) .

قال الحسن البصري:"ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت, ولكن قدم عملًا صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء, وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد متكأً".

فرعون يدركه الغرق فيدعو بالتوحيد (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) (4) , وسمعت الملائكة دعائه فنزل جبريل إليه سريعًا, منجدًا؟ لا, مغيثًا؟ لا, وإنما يأخذ من حال البحر ووحله فيدسه في فيه خشية أن تدركه الرحمة.

وبعدها آتاه الجواب (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (5) .

لقد سمعت الملائكة دعاء كلا المكروبين, ولكن فرق عظيم, فالأول: تقول فيه: صوت معروف في أرض غريبة, هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.

وأما الآخر فينزل جبريل يدس الوحل في فيه خشية أن تدركه الرحمة.

(1) - الأنبياء: 87

(2) - الصافات: 144

(3) - الأنبياء:88

(4) - يونس: 90

(5) - يونس: 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت