الصفحة 10 من 19

لا شك أن الواقع السياسي للأمة المسلمة لم يلجئ المسلمين إلى إفراز أي تشكلات أو تجمعات عضوية متميزة عن نسيج المجتمع الإسلامي الأم إلا بعد تفكك الارتباط اللازم ما بين المنهج العلمي والمنهج السياسي على تفاوت بين هذا الارتباط والانفكاك على مر العصور. ولما سقطت الخلافة العثمانية وشغر الزمان من أي مظلة سياسية إسلامية جامعة يأوي إليها المسلمون في أقطار الأرض قاطبة، ورافق ذلك تشرذم سياسي وانفلات مرجعي عن الهوية العقدية الإسلامية في حكم تلك الدويلات المتشرذمة أخذ المسلمون الغيورون على عاتقهم الاجتهاد في إيجاد صيغ تجمع علمي وعملي تهدف إلى إعادة الكيان الحسي للأمة الذي يجمع المنهج العلمي والخلافة التي تحرسها وتحكم بها. ولقد انطلقت معظم - إن لم يكن كل - هذه التجمعات من المبادئ الشرعية التي ترسخ مفهوم الجماعة والاجتماع، وأخذت تنزل نصوص هذه المفاهيم على تجمعاتها العضوية الصغيرة هذه، ومن هنا بات التعاقد والاجتماع على هذه المشاريع الصغيرة المتناثرة في بقاع العالم الإسلامي موردًا من موارد الاجتهاد والنظر من حيث الجواز والتكييف واللزوم - أي لباقي الأمة - ونحو ذلك مما أزيده بيانًا عند استعراض مظاهر الشطط في هذه الظاهرة، ولكن القصد من إثبات الكلام هاهنا هو الإشارة إلى هذا النموذج الواقعي الذي انطلق من مفاهيم الجماعة وتم تنزيله على ما لم ينزل له أصلًا. ولقد ذكر الدكتور صلاح الصاوي موردين من موارد الاجتهاد في هذه المسألة هما:

1 -تسمية التعاقد على الخير والتزام الطاعة عليه بيعة.

2 -التزام جماعة بعينها من الجماعات العاملة للإسلام [1]

ولا شك أن هناك تفريعات أخرى عن هذه القضية تتناولها نظرات المجتهدين عبر العصور، وإنما أردت طرح بعض هذه النماذج للتمثيل لا للحصر. وبعد هذا العرض للثوابت والمتغيرات في مفهوم الجماعة المسلمة يجدر بنا الانتقال إلى المحور الرئيسي في البحث ألا وهو مظاهر الغلو والجفاء في مفهوم الجماعة وهو ما نتناوله في المبحث التالي إن شاء الله.

المبحث الثالث: مظاهر الانحراف في مفهوم الجماعة:

قد آلى إبليس على نفسه أن يجعل لكل أمر جاءت به الشريعة الغراء موردين من موارد الانحراف يوسوس بهما إلى أتباعه؛ فأما أحد الموردين فهو الغلو والإفراط في هذا الأمر إلى حد يجاوز به حدود المشروع، وأما الثاني فهوالتفريط في هذا الأمر والتهاون فيه حتى يذهب بالكلية، ويبقى الحق شامخًا بين طرفي الانحراف الإبليسي، لتبقى خيرية هذه الأمة متمثلة في قوله تعالى:"وكذلك جعناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس" [2] ، فليس غريبًا إذًا أن يتعرض مفهوم الجماعة بشقيه العلمي والعملي لمظاهر الغلو والجفاء بحيث تهلك الجماعة وتتردى في أودية الفتن، أو يضيع كيانها وينمسخ حتى يتلاشى ذكرياتٍ

(1) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي- 149

(2) سورة البقرة - 143

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت