باهتة على صفحات التاريخ، وإن الوقوف على مظاهر هذا الانحراف ومعالجة أسبابه واستئصال جذوره أمر لازم لنا إذا أردنا الخروج من مستنقع التشرذم الذي نعيش فيه بلا ريب، عملًا بقوله تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" [1]
وسوف أستعرض في هذا المبحث بعض مظاهر الغلو في مفهوم الجماعة بشقيها لتكون نقاط انطلاق لتشخيص ومعالجة هذه الظاهرة المرضية في مجتمعاتنا المسلمة إن شاء الله.
يمكن في الحقيقة تقسيم مظاهر الغلو في مفهوم الجماعة إلى قسمين باعتبار جهة الغلو أفي المنهج العلمي أم في المنهج العملي السياسي، وسأضرب مثالًا لذلك فيما يلي:
أولًا: الغلو في جانب المنهج العلمي للجماعة:
إن تحديد الإطار العقدي للجماعة المسلمة في إطار الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة حق بلا ريب، ولكننا وجدنا أن حدية هذا الإطار قد اتخذت عند البعض أشكالًا من الغلو المنهجي التي أضرت بالأمة المسلمة وعرضتها لكثير من البلبة والفتن، ولا يعني هذا الطعن في سلامة المنهج الذي توهم هؤلاء الانبثاق عنه ولا في الدوافع التي دفعت هؤلاء إلى مثل هذا الغلو، إذ أن شدة وطأة البدع والتغريب والنفوذ الكبير للمناهج الكفرية والمشاريع الكفرية في مجتمعات المسلمين قد دفعت بالبعض إلى تحري الصفاء المطلق والكمال التام في سياق تصفية المنهج العلمي الاعتقادي حرصًا منهم - كما يتوهمون - على السلامة المطلقة لهذا المنهج. ومن مظاهر هذا الغلو ما يلي:
1 -الوقوع في تكفير كل من خالف أهل السنة والجماعة:
وهذه من كبرى المصائب التي وقع أصحابها في نفس ما يعيبون على غيرهم من الفرق الضالة، ولعلي أشير إلى بعض موارد الشبهة عند هؤلاء:
أ فمنها حديث الافتراق حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" [2] ، فلقد فهم البعض من كون باقي الفرق في النار أنها كافرة، وهذا باطل وهو من باب توهم لزوم ما لا يلزم، فليس معنى أنها في النار
(1) سورة الرعد - 11
(2) سنن ابن ماجة، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة