حديث حذيفة بن اليمان قال:"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [1] ، فهذا الحديث يؤصل لنا أمر الجماعة بمفهوميها الذين عرضناهما سابقًا وهو الجماعة العلمية والجماعة السياسية كما سنوضح هاهنا إن شاء الله.
وهذا يعني أن مسألة العقيدة والمنهج العلمي لجماعة المسلمين أمر لا يمكن التفريط به أو المساومة عليه بحال من الأحوال، كما يعني أن الضابط في هذا المنهج الملزم هو ما كان موافقًا لنهج السلف رضوان الله عليهم كما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل:"أصول السنة عندنا التمسك بما عليه أصحاب رسول الله والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة" [3] وهذه العبارة من دقة وفقه هذا الإمام الجليل، إذ أن الكل يدعي - وفق هواه - أنه ينتسب إلى كتاب الله وسنة ورسوله ولكن يفوتهم التقيد بمنهج التلقي الصحيح الذي فهمه وطبقه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك كان لا بد من هذا التقييد في منهجية التلقي الصحيح، ولهذا فإنك لا ولن تجد صاحب هوى ولا فرقة يدَّعي الانتساب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ناهيك عن أن يكون له سلف من هذه الأمة في ما يدعيه هواه وترمز إليه فرقته.
والدليل على لزوم هذا المنهج حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" [4] ، وقد تقدم معنا آنفًا الرواية المبينة للجماعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم:":"ما أنا عليه وأصحابي" [5] ، ووجه الدلالة أن أتباع هذا المنهج هم وحدهم أهل النجاة فلكان لازمًا لمن أراد النجاة بركوب سفينة الإسلام أن يرتحل مع أهل السنة والجماعة. يقول الدكتور صلاح الصاوي:"والجماعة هنا تشير إلى المنهج أو الإطار العلمي الذي يجب أن يتقيد به مريد النجاة في هذا العصر وفي كل عصر وهو اتباع الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة" [6] ."
(1) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة
(2) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي - 137
(3) أصول السنة - الإمام أحمد
(4) سنن ابن ماجة، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة
(5) سنن الترمذي - كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق الامة - وحسنه الألباني في صحيح الترمذي
(6) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي - 138