الصفحة 15 من 19

وهذا أيضًا مما ابتليت به التجمعات والحركات الإسلامية المعاصرة، حيث بدأ الأمر بالترخص في إطلاق اسم البيعة على هذه التعاقدات المحمودة شرعًا من حيث كونها تعاقدات على التعاون على البر والتقوى، وننبه إلى أن بعض أهل العلم كره تسمية هذه التعاقدات باسم البيعة منعًا للتلبيس والتدليس على العامة، وهو نفس المحذور الذي نتناوله هاهنا بيد أنه في حالة الغلو التي ننكرها نجد أن القائمين على هذه الحركات يتعمدون إيهام الناس أن هذه البيعة لأمير جماعتهم أو قياديها هي البيعة الواردة في النصوص الشرعية والتي لا يسع أحدًا من المسلمين الانفكاك عنها حيث ورد الوعيد في ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية" [1] ، يقول الدكتور صلاح الصاوي:"كما لا منازعة في أن البيعة الخاصة التي يعقد أصحابها الولاء والبراء على أساسها فيكفرون من عداهم ويبدعونه ويفرقون بها كلمة الأمة بيعة باطلة باعتبار ما أفضت إليه من هذه المفاسد" [2] .

المطلب الثاني: مظاهر التفريط في مفهوم الجماعة:

إن مظاهر الغلو التي قدمنا بعض الأمثلة عليها في المطلب السابق يقابلها بلا شك طرف الانحراف الآخر ألا وهو التفريط في بعض جوانب مفهوم الجماعة، وفيما يلي بعضًا من هذه المظاهر أذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

أولًا: مظاهر التفريط في الجانب العلمي لمفهوم الجماعة:

إن من مظاهر هذا التفريط ما هو ناجم في الحقيقة عن الغلو في ترجيح أولوية الاجتماع السياسي والمحافظة على كيان الأمة الحسي بحيث يفرط أصحاب هذه النزعة في مقومات سلامة المنهج العقدي لا سيما الالتزام المطلق بمرجعية الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، بحيث يوسع هؤلاء دائرة التسامح والمداراة والتألف إلى حدٍ غير مقبول ولا سائغ شرعًا ولا عقلًا؛ وإن من المظاهر العملية المشاهدة لذلك ما يلي:

1 -تقديم رابطة القومية والوطنية على رابطة العقيدة:

ونحن لا نفتأ اليوم نسمع نداءات وشعارات الوحدة الوطنية وما إلى ذلك التي تدعو إلى صهر الناس - مسلمين وغير مسلمين - في بوتقة الوطن الواحد و"الارتقاء"فوق مستوى التصارع الديني والهيمنة الدينية، ولقد وقع كثير من المسلمين مع الأسف صرعى أمام هذه الدعاوى التي تحمل في ظاهرها شعارات الوحدة والقوة والاجتماع في حين أن حقيقتها هي مسخ الدين وتعطيل معقد الولاء والبراء الوحيد المعتبر شرعًا وتنصيب معاقد أخرى من جنسيات ووطنيات وقوميات. ولا شك أن هذا يشكل خللًا منهجيًا في مفهوم الجماعة المسلمة.

(1) صحيح مسلم - كتاب الإمارة

(2) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي - 142

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت